
( مستوحاة من حكاية الضفدع والبقرة – بالإِذن من “لافونتين” )
لِنُسَلِّم جَدَلاً بأنّ ضفدع “لافونتين” القرنِ الحادي والعشرين، انتفخَ حتى أصبحَ فِعلاً كالبقرة، وأراد، استناداً الى حجمه الجديد، أن يقودَ جماعةَ الأَبقار. من هنا، أردتُ أن أتوجّهَ إليه بهذه الرسالة، لا لإِدانته على تبديلِ سُحنتِه ومظهرِه، ولكن لأُلفِتَ نظرَه الى أدائِه المُعوَجّ، بعد أن أصبحَ بقرة، ما يمكنُ أن يدفعَ بالأبقار، ربّما، الى الإنقضاضِ عليه، أو رَفعِ دعوى ضدَّه بتهمةِ انتحالِ صِفة.
سيادةَ الضفدع، لمّا أصبحتَ تعتبرُ نفسَكَ نفحةً ربّانية قلّما تحدث، وبالتالي يجب الترصّد لها، فأنتَ الموهوب المُتوغّل في أحلامٍ مُتجاوزة تَعيشها باندفاع، وتُشيد على أساسِها قصوراً كرتونية تحسبُها حقيقية، ثمّ تَفيق على تصفيق غير مفهوم من مجموعةٍ بَقَريّة لاواعية مُستدرَجة مغناطيسياً الى منطقة الهتاف الغرائزي.
ولمّا كنتَ ضفدعاً نَقّاقاً، مَسنوداً، تحاولُ أن تقود صراعاً، بزنودِ سواك، هو أقربُ الى الحربِ المذعورة، وذلك باجتهادات حماسيّة ومرافعات كَرشونية حسّاسة، هدفُها التأكيدُ على أهميّتِكَ في الدنيا، فأنتَ تحسبُ أنّ هذا الأمر يعطيكَ الحقّ بِسَدّ الأفق أمام الإعتراف بغَيرِكَ، قريباً كان أو متوسِّطَ البُعد، وبعدمِ تقريب القواسم المشتركة معه، ما يؤدي حتماً الى تأجيج المواجهة المسنّنة بينكما. إنّ التفسير البسيط لهذه الصورة التي فشلتَ في تَمويهِها، هو الترابط الجوهري بينكَ كَضفدع وبينَ بعضِ المواصفاتِ السّالِبة كالحقد والتشفّي والإنتقام، والتي تحوّلت الى تكامل عُضوي مع ذاتِك. ويعتبر عِلمُ النّفس التّحليلي أنّ هذا الإندماج، لطالما كان يشكّل نموذجاً من التّماهي المطلَق بين الحقد والحاقد، فتصبح الحالة آنذاك حالةً مَرَضية، خطَرُها أنْ لا توقيت واضحاً للشفاء منها، إِنْ لم يكنِ الشِّفاءُ معدوماً.
أيها الضفدع المُتذاكي، بالرَّغم من أنّكَ بِدعةُ المصادفة، أراكَ بارعاً على صعيدِ الشِحّ في مؤونة الصّدق. فَرُدهات الفراغ في جمجمتكَ، قامت بابتداع تركيباتٍ لا تهدفُ إلاّ الى تضخيم أخطاء منافسيكَ من جماعةِ البَقَر، والتَركيز على شوائبها. وكذلك أنتَ تَشنّ أنواعاً من الفتوحات والغَزَوات، تَأمل في أن يكون لها صدىً في حشودِكَ الغائبة عن الوعي، والتي لا تتقن سوى التصفيق والزمجرة بِعشوائية. وما ذلك في الحقيقة، إلاّ تغطية موصوفة لِلَمِّ الحصص الشعبوية والجوائز “المَساحيّة ” التي لم يعد الكَمُّ يجاريها. فإنْ تركتَ شيئاً يسيراً من القُوتِ لِسِواك، فأنتَ تسيطرُ على غالبيّتِه، بوسائلَ مختلفة.
أيها الضفدع المصارعُ للطواحين، وأنتَ تهزأُ بِغباءِ سائرِ الأَبقار، ( والغباء فولكلور يتردَّد ) يجب أن تتنبَّهَ الى أنّ القطيعَ الذي تعملُ على قيادتِه، يمكنُهُ في يومٍ يأتي، أن يثورَ وينتفض، (هذا إذا سلَّمنا أنّ بُذورَ الثورةِ لا تزالُ تنمو في عنفوانِه)، فلا ينفع معه ساعتذاك الإسترضاء والعودةُ الى الوراء. وطبيعيٌ تماماً أن يكون الحافزُ الى الثورة، أنّ القَرَف منكَ بَلَغَ مداه، وهو قرفٌ من اختزال جماعةِ الأَبقار بواحدةٍ سحقت الآمالَ بالأَفضل، وبتصحيح المُعوَجّ والصّدِئ، وقرفٌ من الحصريّةِ في قراراتٍ أودَت بمستقبلِ مجتمعِ الأبقارِ الى جهنَّم، وقرفٌ من الإبتزاز، والفساد، وتفويتِ الفرصةِ على التّائقين الى إنجاز مشروعٍ يَرعى الحقوق للجميع.
من هنا، أيها الضفدعُ الجريء،عندما يُتَحَدّثُ عن القرف منكَ، فلا مبالَغة. فمنهجيةُ الحقد والإقصاء، ووضعِ اليَد على كلّ شيء، خرجت معكَ عن كلّ معقولية، وباتت أسلوباً يُشبِهُ الأسلوبَ ” الستالينيّ ” الممجوج والمردود والذي ضاقت به صدورُ أَبقارِ القطيع. وما تقومُ به ليس سوى هرطقات مُغرضة وغير مبرّرة، ضيّعت مفاهيم الشراكة والمساواة، وأشاعت ثقافة الجفاء المرّ، وأطلقت مواسم التّزييف والفوضى والخروج على كلّ عِرف.
أيها الضفدع الفانتازي، المُتَسَلِّلُ الى مواقِعَ ليسَت لك، وبكلّ صِدقِ، إن الإغترار قد سدّ منافذ الرّشد عندَك، فباتت مراقبتُكَ لأَدائِكَ من دون نفع. من هنا، لا بدَّ من أن تَعلمَ بإنّ تجارتَكَ خاسرة، لا يناسبُها سوى ما جاء في: ” وَيلٌ للبان قَولِ أحدِهم عن الكَذِب بأنّ ” آخرتَهُ وخيمة”. لذلك، لكَ أقول: إنّ الإسفافَ في السّلوكِ والذي يثير الإشمئزاز، والمُتأتّي من ضفدع مُتَبَقِّر، يمكنُ أن يبلغَ في القطيعِ حدّاً يجعلُهُ يتضامنُ لِإِرجاعِكَ ضفدعاً قَزَماً، ويجعلُ ” لافونتين ” يلومُ نفسَه كثيراً لأنّه كتبَ عنك.
حُرِّرَ في لبنان، وأُرسِلَ بالبريد التقليدي البائد ( مع التَأكيد على أنّ الرسالة لن تَصِل ).
