




كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1733
“الجمهورية” إن حكت…
لكل عهد قصر والتاريخ يسجِّل ويحاكم!
من القنطاري الى سن الفيل مرورًا بجونية، فبيت الدين صيفاً، تجوّل «قصر الجمهورية» طويلاً، فكان لكل عهد قصره الخاص أو «المستأجَر»، وحتى الستينات، حين صار لسيد الجمهورية قصر ومقر رسمي.. كان ذلك فوق في بعبدا، على تلّة جميلة خضراء مشرفة على بيروت عاصمة لبنان الكبير…
هي حكاية قصور الجمهورية اللبنانية نتلوها وترددها جدران تلك القصور وأروقتها، شاهدة على عهود رجالات كبار وصغار، عهود عز وازدهار وعهود حروب وانهيارات، عهود ذهبية وعهود سوداء، عهود إستقلال وعهود ذل وتبعية… هي قصور جمهوريتنا تراقب وترصد، والتاريخ يسجِّل، ويحاكم…
ما كان القصر الجمهوري في بعبدا «بيت الجمهورية» الأول، ولا كان لذاك القصر في لبنان حكاية واحدة ولا مقرّ واحد محدد، ولا كان في دستورنا نص يحدد مركزًا لرئاسة الجمهورية، هي مادة واحدة مبهمة تكتفي بتحديد «بيروت مركز الحكومة ومجلس النواب»، وعلى هذا، ومنذ زمن الإستقلال، رؤساء حوّلوا بيوتهم مقرًا لإدارة الجمهورية ، وآخرون سكنوا بـ»الإيجار»، ليطلق إسم القصر الجمهوري على مقرّ إقامة رئيس الجمهورية.
القنطاري.. قصر الإستقلال
الى أول الحكاية نعود، الى قصر القنطاري الذي شهد ولادة الإستقلال وتحوّل بيتاً لعهدين من عمر الجمهورية قبل أن يشتريه رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.
تقول الحكاية إن قصر القنطاري بُني في العام 1860 على يد حنا حنين الذي زوّج ابنته الوحيدة الى رجل أعمال مهم يُدعى درويش حداد فأصبح ملكاً له، ليورثه بدوره الى ابنته الوحيدة عام 1925، وهي زوجة فؤاد الخوري، شقيق الشيخ بشارة الخوري، ما غيره.
بناء لرغبة شقيقه فؤاد، أقام الشيخ بشارة الخوري في هذا البيت في العام 1939 واستمر فيه حتى عام 1952، مانحًا إياه شرف تحوّله الى «قصرجمهوري» لحظة انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1943.
وهكذا، صار قصر القنطاري الرئاسي، المؤلف من ثلاث طبقات فسيحة موزعة على ردهات واسعة، مسرحًا لحكايات ومحطات لا تُنسى بتاريخ الجمهورية اللبنانية، هي حكايات إعلان إستقلال لبنان الذي أعقب مداهمة القصر واعتقال الشيخ بشارة من ثم الإفراج عنه، وكيف تحوّل قصر القنطاري عندما اعتُقل أركان الجمهورية مركزاً سياسياً ـ إعلامياً وجماهيرياً، ونقطة إنطلاق لتظاهرات مناهضة للإنتداب وطباعة المناشير الداعية للإستقلال. من ذاك القصر انطلقت تظاهرة «الوحدة الوطنية» يوم الإفراج عن قادة البلاد وإعلانه يوم إستقلال، وعن ذاك القصر يروى كيف اصطف خدمه كـ»فلة» عسكرية لحظة رفع العلم اللبناني للمرة الأولى على السارية بعدما انتُزعت منه الألوان الفرنسية وتوسطته أرزتنا اللبنانية.
الى ذاك القصر، وعلى عهد الرئيس الشيخ، توافد الملوك والرؤساء والعرب والأجانب قاصدين الرئيس في قصره، ومن بينهم ملك يوغسلافيا (سابقاً) بطرس صربيا والملك فيصل والملك عبدالله والجنرال كاترو، وهناك، كان التوقيع على إتفاق تسليم فرنسا الحكومة اللبنانية جميع الممتلكات والمؤسسات والإدارات.
وفي ذاك القصر، أًجبر الشيخ بشارة على الإستقالة تحت وطأة ضغط المعارضة عام 1943، وهناك سجل دخول كميل شمعون كـ»الفاتحين» بقوة الإرادة الشعبية رئيسًا جديدًا للبلاد.
ساحر الجمهورية وأميرته يضيئان «القنطاري»
نعم، هي «الثورة البيضاء» نصّبت كميل شمعون رئيسًا خلفاً لبشارة الخوري، ليختار قصر القنطاري عينه مقراً لرئاسته وحتى العام 1958، مفتتحًا فيه عهدًا ليس ككل العهود.
بعد أن توّج قصرًا للإستقلال، كان لقصر القنطاري أيضًا شرف إحتضان عهد ذهبي ما زالت حكاياته من حكايات زمن جميل، نسج بحنكة وسحر ذاك «النمر» وبأناقة ورقي تلك الأميرة، الست زلفا، أقيما ملكاً وملكة على قصر ووطن فحلقا به عاليًا، أراداه مملكة للأحلام… عزّ وازدهار وأضواء، فنّ وثقافة، جمال وبحبوحة، سياحة وصناعة واستثمارات… وكان لهما ما أرادا، عهد ما زالت أصداؤه تتردد بين هياكل مدينة بعلبك، في أضواء كازينو لبنان، في هتافات المدينة الرياضية، في كل إنجاز وإبداع توّج لبنان أولاً في هذا الشرق وأهّله لأن يقارع الغرب.
ففي ذاك القصر، الذي انطلق منه مشروع مهرجانات بعلبك الدولية، كان يروي زواره كيف حوّلت الست زلفا الطابق الأول منه الى مشغل للثياب الفولكلورية لتزوّد بها مهرجانات بعلبك والليالي اللبنانية، وكانت تشارك في خياطتها بنفسها. وكيف أنها مع ثورة 1958، ومع خوفها من إستهداف القصر، عمدت الى تهريب الثياب الفولكلورية بصناديق الى مكان آخر آمن، «وطلعت الخبرية أن الرئيس شمعون هربان من القصر الجمهوري».
على عهد ذاك الكاريزماتي الساحر، تحوّلت ردهات وصالونات ذاك القصر، الى قاعات إستقبالات كبرى لضيوفه الكبار من ملوك ورؤساء العرب والعالم، وبينهم الملك السعودي سعود بن عبد العزيز وشاه إيران محمد رضى بهلوي وزوجته الملكة ثريا وملك النروج والعاهل الأردني الراحل الملك حسين وزوجته الملكة نور، الى أمراء وشخصيات بارزة، والجميع باللباس الرسمي، فيما تألقت سيدات المجتمع الراقي بأجمل الفساتين والمجوهرات، والأنظار، كل الأنظار، الى ذاك الثنائي اللافت، سيد القصر بأناقته الإنكليزية وسيدته الأولى الفاتنة.
ذاك العزّ في قصر القنطاري، لم ينسِ سيد القصر أنه آن الأوان ليكون للجمهورية قصرها الخاص، فكان القرار بشراء قطعة أرض صغيرة، في بلدة بعبدا، تمتد على مساحة ما يقارب الخمسين ألف متر مربع، ليُبنى عليها وأخيرًا مقر الرئاسة، ليضع شمعون حجر الأساس للقصر الرئاسي الجديد سنة 1956. وليعهد بالتصميم والتنفيذ الى شركة سويسرية فازت بالمناقصة، واعتمدت تصميما هندسيا بسيطا وحديثا في آن معا.
لكن ما قُيِّض للرئيس متابعة تنفيذ وبناء ذاك القصر، فالإرادة الشعبية التي جاءت به رئيسًا للبلاد، إنقلبت عليه عام 1958 وأجبرته هو الآخر على الإستقالة، لينصّب اللواء فؤاد شهاب رئيساً على الجمهورية، وليغلق معه قصر القنطاري مقرًا لرئاسة الجمهورية.
شهاب في «القصر المتواضع»
دخل لبنان عهد الجنرال فؤاد شهاب، وكان قراره الأول عدم الإنتقال الى قصر القنطاري، رافضًا أن تنزل «الجمهورية» ضيفاً على «سكن خاص»، مفضلاً نقل مقر إقامتها وتسيير شؤونها من «فيلا» في ذوق مكايل على مرمى حجر من سكنه العائلي.
ولهذا، بدأت أعمال إعادة تأهيل تلك «الفيّلا» المتواضعة التي استأجرتها الحكومة اللبنانية وتقع على بعد خمس دقائق في السيارة من منزل الرئيس الجديد في جونيه، فاستمر بالسكن في منزله، بينما كان القصر الرئاسي – المؤلف من طبقتين تضمان 8 غرف وحديقة، بالإضافة إلى مبنى إداري بناه الرئيس شهاب خلف القصر – مقراً لعمل الرئيس، حيث كان يأتي يومياً من الساعة الثامنة والنصف صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر ليقوم بعمله الرسمي ويؤدي الواجبات البروتوكولية الرئاسية.
وفي الأثناء، توقف العمل لاستكمال بناء قصر بعبدا على عهد شهاب، ليُستأنف على عهد شارل حلو.
عهد شارل حلو.. وصار للجمهورية قصر
مع تسلّم شارل حلو رئاسة الجمهورية العام 1964، إنتقل مقر الرئاسة إلى قصر مستأجر في سن الفيل، المعروف بـ»قصر نورا»، ويتألف من مبنيين كل منهما يضم طابقين بالإضافة إلى حديقة جانبية.
وضع الرئيس حلو وزوجته السيدة الأولى نينا نصب أعينهما إنجاز بناء القصر الرئاسي في بعبدا، ولما كان الدستور اللبناني ينص صراحة على أن بيروت العاصمة هي المقر الرئيسي لرئيس الجمهورية وللحكم، ولما كانت بعبدا خارج نطاق بيروت، أصدر الرئيس حلو مراسيم هادفة إلى توسيع محافظة بيروت وضم بعبدا والضواحي إليها.
وانطلق العمل، لتشرف وزارة الأشغال على التنفيذ وساهم مدير الآثار آنذاك الأمير موريس شهاب واللبنانية الأولى، في اقتراح تعديلات على التصميم العام للمشروع تضفي طابعًا لبنانيًا على البناء.
ضم قصر بعبدا ثلاثة مبانٍ: المبنى المركزي ويحتوي على مقر إقامة الرئيس ومكاتبه وجناح الضيوف والمديريات التابعة لرئاسة الجمهورية، ومبنى الحرس الجمهوري وملحقاته، وثالث يضم مكاتب تابعة لمديريات رئاسة الجمهورية.
وهكذا، وعلى عهد حلو، صار للجمهورية اللبنانية قصر ثابت رسمي.. فانتقلت دوائر الرئاسة الى قصر بعبدا في بداية 1969، ودشّن الرئيس حلو العمل الرسمي في كانون الثاني 1969 بمناسبة حفل الإستقبال التقليدي الذي يقدم خلاله رؤساء البعثات الديبلوماسية التهاني للرئيس بمناسبة العام الجديد.
وفي 23 أيلول 1970 جرت مراسم التسليم والتسلّم للمرة الأولى في القصر الجديد بين الحلو والرئيس المنتخب سليمان فرنجية. وكرّت سبحة رؤساء تعاقبوا على ذاك القصر، ولكل حكايته ونهجه.
عهد فرنجية.. إستهداف القصر و«الجمهورية»
إن كان للجمهورية اللبنانية أن تتذكر محطات زاهية في تاريخها، ستتلو علينا حتمًا ذاك الذي صار يوم 17 آب 1970، يوم انتُخب ذاك «القبضاي» الزغرتاوي رئيساً للجمهورية اللبنانية. إشتعل لبنان من أقصاه الى أقصاه إبتهاجًا بفوز رئيس قوي «صُنع حقا في لبنان»، وفور تسلمه الحكم رفع فرنجية شعاره الشهير «وطني دائمًا على حق»، وبدا عهده إيذاناً بولادة مرحلة جديدة واعدة، عنوانها الإصلاح، وسكن القصر مع عائلة كبيرة أضفت فرحًا وحيوية الى القصر الغارق برسمياته. أحب اللبنانيون عنفوانه كما خصاله الشخصية التي تميّزت بالشجاعة والكرم والصدق، أحبوا صورته رئيساً منفتحاً يستقبل جورجينا رزق تلك الملكة اللبنانية الساحرة العائدة من بلاد الأميركان متوّجة ملكة على عرش جمال الكون.
هكذا كانت البدايات، قصر واستقبالات وعز وازدهار وجمال وفنون وإصلاح، لكن رياح وعواصف جامحة أخذت ذاك العهد الى حيث لا تشتهي سفنُه، ليجد نفسه مطوّقاً بسلسلة أحداث وتطورات عربية تزامنت مع الدخول الفلسطيني المسلّح إلى لبنان وبزوغ العمل الفدائي، وصولاً الى الوصاية السورية، وانفتحت أبواب الجحيم.
كان العام 1975، تاريخ الشؤم الذي صبغ عهد فرنجية ماحياً كل ما حمله في بداياته، إنفجرت الحرب.. إنقسم الجيش اللبناني، وما نجا قصر بعبدا من كل هذا الجنون، استُهدف بعنف، وأصابت قذائفه مكتب الرئيس ومنزله، ودمرت أجزاء أساسية من قاعات الإستقبال والمكاتب، وقيل يومذاك إنه «ليس الرئيس المُستهدف بقصف القصر الجمهوري إنما الجمهورية اللبنانية»، وما غفل الرئيس فرنجية هذه الرسائل، فكان قراره مغادرة القصر «لكي يبقى للقصر رئيس»، وفي 15 آذار 1976، إنتقل الى قصر الذوق البلدي وبعدها الى بلدة الكفور في كسروان ليقيم في منزل لوسيان دحداح الذي تحوّل مقرًا موقتاً لرئاسة الجمهورية.
كان ذلك في 28 أيلول 1976، يوم غادر فرنجية السلطة مسلّمًا خلفه الياس سركيس كرة نار حملها ومضى في طريقه نحو قصر حزين وجمهورية تتهالك.
عهد سركيس.. والقصر الحزين
وتسلّم الرئيس السادس للجمهورية الشهابي الياس سركيس الحكم، لكنه مكث أسابيع عدة في منزله حتى اكتمل ترميم ما تهدم من قصر الجمهورية.
وما كان عهده أكثر هدوءًا، فالرئيس المحايد و»الأنظف» في تاريخ الجمهورية برز معارضًا شرسًا لكل طرف يمس الشرعية والسيادة اللبنانية. كان صاحب القرارات الأجرأ في وجه كل أقطاب الحرب الدائرة يومذاك على الأرض اللبنانية، والتي استهدفت مواقفه تلك بوابل من القذائف على القصر الجمهوري. فله يُسجَّل إمتناعه عن توقيع إتفاقات ثنائية مع سوريا في عزّ وصايتها على لبنان. وله يُسجَّل إنتفاضته بوجه الجيش الإسرائيلي يوم تبلّغه بوصوله الى محيط القصر عام 1982، وإجباره على الإنسحاب فورًا بعد إتصالات دولية أجراها. ولذاك الرئيس الهادئ يُسجَّل صرخته المدوّية الشهيرة بوجه ياسر عرفات والمنظمات الفلسطينية: «ليس بخلق قضية لبنانية تحلّون قضية فلسطين».
في مواجهة أعتى جولات الحرب، صمد سركيس وحيدًا في ذاك القصر الحزين الفارغ من الزوار، وقد اضطر لاستحداث ملجأ موقت تحت القصر تفادياً للقصف المتجدِّد الذي ألحق أضرارًا فادحة به، وهو التعديل الذي أدخله الرئيس «الأعزب» وحيدًا على القصر، خلافاً للرؤساء الآخرين الذين أدخلوا تعديلات بمساهمة سيدات القصر اللواتي وضعن لمساتهن الخاصة على أجنحته.
أنهى سركيس عهده بتبنّي ترشيح بشير الذي انتُخب لاحقاً رئيساً في 23 آب 1982 في ثكنة الفياضية. وفيما كان يستعد سركيس لتسليمه الأمانة، كانت الصدمة الكبيرة، إغتيل بشير الجميل في 14 أيلول، وعلى بعد أيام من تسلّمه الرئاسة. رفض سركيس كل الوساطات من أجل قبوله التمديد سنتين لعهده، فسلم الأمانة للرئيس المنتخب أمين الجميل، وغادر القصر تاركاً في صندوق النفقات 3 ملايين دولار، وفي خزينة الدولة الذهب الذي إشتراه، وتاركاً أيضًا الليرة اللبنانية محافظة على إستقرارها، ووضع إقتصادي مزدهر في عزّ الحرب… من يصدق؟!
عهد الجميل.. والحكومة العسكرية
رحل سركيس حزيناً قلقاً على البلاد، وتسلم أمين الجميل السلطة في 23 أيلول 1982، وقصرًا مهدمًا مشلّعًا، فأُطلقت ورشة ترميم وتحديث وتطوير للقصر في البناء والحدائق والأثاث، إلا أن الحرب العائدة عام 1983 في بيروت والجبل، جعلت القصر الجمهوري مرة أخرى هدفاً للقصف، على خلفية ضغوط إقليمية ودولية مختلفة.
وفي نهاية ولاية الجميل في 23 أيلول 1988، وللمرة الأولى بعد تشييده، خلا قصر بعبدا من رئيس للجمهورية، فالأزمة السياسية المعقّدة عرقلت انتخاب رئيس جديد لتنتقل السلطة التنفيذية في الساعة الأخيرة من الولاية، بمرسوم من رئيس الجمهورية، الى حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، مهمتها تسيير عجلة الدولة وتأمين ظروف انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وواجه هذا القرار معارضة داخليّة وأدى إلى نشوء نزاع بين حكومتين، الأولى برئاسة عون، والثانية برئاسة سليم الحص المدعومة سوريًّا.
حروب عون في «قصر الشعب»
من قصر بعبدا أعلن عون «حرب التحرير» على سوريا، مطالبًا بانسحابها من لبنان، كما عارض إتفاق الطائف، ولم يعترف بشرعية الرئيس رينيه معوض المنتخب في 5 تشرين الثاني 1989 الذي اغتيل يوم عيد الإستقلال 22 تشرين الثاني 1989 في بيروت، ليخلفه الرئيس الياس الهراوي في 25 تشرين الثاني.
وفي ظاهرة غير مسبوقة، فتح عون أبواب القصر الجمهوري أمام آلاف اللبنانيين المؤيدين لمواقفه ضد «المحتل السوري»، غصّت ساحات القصر ومحيطه بالمتظاهرين والهتافات الرافضة لاتفاق الطائف والداعية لإنهاء الوصاية السورية في لبنان.
والى حرب التحرير، أطلق عون ومن قصر بعبدا، حربًا على «القوات اللبنانية»، عُرفت بحرب الإلغاء. حروب حوّلت القصر الجمهوري الى شبه ثكنة عسكرية محصّنة بين عامي 1988 و1990، دُمرت أجزاء كبيرة منه ولا سيما بعد العملية العسكرية التي شارك فيها الجيش السوري براً وجواً ضد منطقة سيطرة عون في 13 تشرين الأول 1990، والتي ترك على إثرها عون القصر ركامًا ملتجئاً إلى السفارة الفرنسية.
عهد الهراوي.. ترميم القصر
إنتهت حالة عون وفكت سيطرته على قصر بعبدا، واستلم الرئيس الياس الهراوي القصر المهدم، وبدأ العمل على إعادة بنائه، وليقيم في الأثناء في ثكنة عسكرية في أبلح في البقاع ، ثم في مقر رئاسي موقت في محلة الرملة البيضاء في بيروت قدمه له الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولمدة ثلاث سنوات، عمل خلالها على إضافة بعض الأقسام إلى القصر الجمهوري، وإعادة تأثيثه وإعطاء مدخله الرئيسي مسحة جديدة، لينتقل الى القصر المرمّم في تموز 1993 وحتى تشرين الثاني 1998 عندما سلّم الأحكام والأختام إلى خلفه الرئيس العماد إميل لحود.
عهد لحود
هو ثالث جنرالات القصر، استلمه من الهراوي قصرًا مرممًا حديثاً زيّنته أيدي الست منى بكل أناقتها ورقيها، إنه العماد إميل لحود، دخل القصر خالعًا بزته العسكرية (النصف كم غالبًا) ومن «فرح الناس» ومع كثير من آمال وأحلام علقت على عهده من شعب «متعلق بحبال الهواء» على «رجل عسكري نظيف الكف» صار سيد الجمهورية، لكن أيام قليلة ولم يعد أحد ليتذكر جنرال اليرزة. حقيقة واحدة حكمت إقامته الطويلة والممددة قسرًا في ذاك القصر، هي القرار السوري الذي أتى به رئيسًا والوصاية السورية التي هيمنت على القصر وحوّلته الى نظام حكم الجنرالات على غرار نظامها. كان لحود واجهة القصر، فيما كان غازي كنعان ولاحقاً رستم غزالة الحاكم الفعلي.
عام 2005، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان الإنسحاب السوري من لبنان، وبقي لحود في القصر، وحيدًا معزولاً، والكل ينادي باستقالته، ليغادره لاحقاً غير مأسوف على عهده، ولم يبقَ منه في ذاك القصر إلا صورة معلقة تذكّر بعهد أسود طويل ممددًا بالإكراه، وقصرًا فارغًا.
نعم، مرة أخرى، شغر كرسي الرئاسة، مع مغادرة لحود قصر بعبدا في الساعة الأخيرة من نهاية ولايته من دون أن يتمكّن من تسليم مقاليد الحكم الى رئيس جديد، بسبب الأزمة السياسية العاصفة التي أعقبت إغتيال الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان سنة 2005، والتي لم تسمح بإجراء انتخابات رئاسية، ليستمر ذاك الشغور لمدة ستة أشهر، وحتى تاريخ انتخاب الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار 2008.
عهد سليمان.. والحياد
وعادت الحياة الى القصر الجمهوري،أ ُضيئت مصابيحه مجددًا وارتفع العلم وانتصبت السيوف إحتفاءً بالرئيس الجديد بعد وضع حدّ للأزمة الوطنية في اتفاق الدوحة في قطر.
فبعد طول انتظار ومد وجزر انتُخب سليمان رئيسًا، معركة نهر البارد توجّته رئيسًا للبلاد بعدما فرضته المرشح الرئاسي الأقوى. مرة خرى جنرال صار رئيسًا والكل يسأل أي جنرال سكن القصر هذه المرة، أهو أقرب الى فؤاد شهاب، أم إميل لحود آخر، وشتان ما بين الإثنين، لكن سيد الجمهورية الجديد بدا بحياديته أقرب الى شهاب وما كان هو ليخفي شدة إعجابه بتجربته ونهجه المؤسساتي.
إتسم عهد سليمان بحياديته، أطلق عليه البعض صفة القوة الهادئة، بدا القصر على غراره هادئاً بعيداً عن الصخب، يمشي بين النقاط ، وبدت حياديته سلاحه الأقوى، وغادر القصر تاركاً لسلفه إعلان بعبدا الشهير.
أطول فراغ رئاسي
بانتهاء ولاية سليمان، خلا القصر مجددًا، وكان الشغور الأطول في تاريخ الجمهوريتين الأولى والثانية، ليمتد على مدى عامين ونصف، كان القصر خلالها خاويًا صامتاً فارغاً إلا من موظفيه.
وأخيراً، وفي 31 تشرين الأول 2016، عزفت موسيقى الحرس الجمهوري لحن التعظيم.. فالنشيد الوطني احتفاء بوصول الرئيس الثالث عشر للبنان إلى قصر بعبدا، الذي عاد إليه بعدما أُخرج منه بالقوة بذريعة تمرّده على الشرعية الدستورية ورفضه إتفاق «الطائف» الذي أقرّه نواب لبنان في العام 1989، واستحال دستوراً في ما بعد. والمفارقة في هذه العودة أن العماد عون انتُخب رئيساً تحت دستور الطائف، وبأكثرية نيابية لافتة تلتزم هذا الإتفاق.
دخل القصر «عهدًا قويًا» وحكم وصار الى ما صار إليه وصرنا إليه، عهد الجحيم، مفجّرًا أقوى ثورة عرفها لبنان رفضًا للنظام وسياساته وفساده، وشاهدًا أيضًا على أكبر جريمة عرفتها البلاد كما العالم، هي جريمة إنفجار مرفأ بيروت وما أسفرت عنه من ويلات وكوارث هدت لبنان وعاصمته وأغرقته جوعًا وإفلاسًا وانهيارًا.
عهد استجرّ الى طريق ذاك القصر، الذي حوّله يومًا قصرًا للشعب، محتجين وثوارًا حاولوا اقتحامه مرارًا وتكرارًا مطالبين باستقالته.
عهد الجحيم «القوي» اقتربت نهايته، كيف سيغادر القصر، هل يتمدد على غرار عهد سلفه لحود، أم يتركه شاغرًا، ولمن ستُفتح أبواب القصر مجددًا؟
هي مقولة شهيرة لجورج نقاش نسترجعها مع نهاية كل عهد: «عندما يقع السياسيون في مأزق يستنجدون بالعسكر»، هذا ما حصل وتكرر في العام 1958 و2008 مع الجنرال شهاب سابقاً وسليمان لاحقاً، من دون أن تُطبق هذه المقولة على إميل لحود طبعًا الذي لم يتم الإستنجاد به بل أوتي به وفُرض فرضًا بقرار سوري بقالب دستوري. فهل يتكرر هذا السيناريو ويدخل قصر بعبدا جنرال جديد رئيسا؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]