
في السادس عشر من الحالي، وجّه وزير الطاقة والمناجم في الجزائر عرقاب محمد إلى وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال وليد فيّاض رسالة يُبلغه فيها تأجيل زيارته التي كانت مقرّرة إلى الجزائر في 18 و19 الحالي، إلى تاريخ لاحق… “وفي سبيل تنفيذ هذه الزيارة، أقترح على معاليكم أن يتم الاتفاق على برمجتها خلال شهر تشرين الثاني 2022، على أن يتم تحديد تاريخ الزيارة بين مصالحنا الوزارية عبر القنوات الدبلوماسية”.
سقط هذا الخبر كالصاعقة على اللبنانيين الذين تأمّلوا خيراً من وعود قطعها الوزير فيّاض بتأمين الفيول لزوم “كهرباء لبنان” من أجل زيادة ساعة تغذية أو ساعتين في اليوم، على وقع الآمال المتأرجحة حول استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن.
ولم يأتِ إرجاء الزيارة “نظراً إلى التزامات عاجلة طرأت على برنامج عملي خلال هذه الفترة ولا يمكن تأجيلها” كما أكد الوزير الجزائري، بل ملف “سوناطراك” الذي لم تطوِه الحكومة الجزائرية حتى اليوم والمتعلق بالدعوى التي رفعتها مؤسسة “كهرباء لبنان” ضدّ شركة “سوناطراك” الجزائرية على خلفية قضية “الفيول المغشوش” التي اشتعلت في نيسان 2020 بعد اتهام الحكومة اللبنانية لشركة “سوناطراك” ببيعها فيولاً مغشوشاً نُقل عبر باخرة نقل خاصة بالشركة الجزائرية.
الجزائر “ترفض استئناف التعاون قبل معالجة ملف الدعوى المقامة ضدّ شركة “سوناطراك”، يرجِّح المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، ويرى أن الموقف الجزائري “يُعطي مهلة للبنان ليدرس ملياً كيفية معالجة الموضوع في ظل اعتكاف الجسم القضائي”، لافتاً إلى أن “معالجة أي ملف قضائي من أجل تأمين الفيول، فيها إساءة معنوية للقضاء كون هناك تدخّل في عمله. فالمخالفة حصلت، إلا إذا كان العرض الجزائري يتضمّن تعويضاً للبنان عن الفروقات الموجودة أو عن أي نوع من الإساءة أو الضرر الذي لحق بالمعامل اللبنانية نتيجة توريد شحنة الفيول غير المطابقة”.
وهنا يُبدي استغرابه “كيف أن مافيا المحروقات في لبنان عادت ودخلت على خط سوناطراك”، معتبراً أن هذه القضية معقدة جداً. ويُلفت إلى نقطة أخرى مهمة إلى جانب موضوع المعالجة القضائية، هي أن “سوناطراك” كانت تزوّد لبنان بالفيول لصالح معمَلي الزوق والجيّة فقط، في حين أن معمَلَي الزهراني ودير عمار يعملان على المازوت. من هنا إذا كان الفيول الجزائري مخصّص لمعملين اثنين فقط بما مجموعه 270 ميغاواط، فيجب توضيح ما إذا كان ذلك لفترة قصيرة كتعويض للبنان عن ضرر لحق به… في حين أنه من الأفضل تزويد لبنان بالفيول الجزائري لأمد طويل، وهنا ستواجه الدولة مشكلة تغطية ثمن الفيول.
من هنا، يعقّب بيضون على موضوع رفع تعرفة الكهرباء لتأمين الأموال اللازمة لمؤسسة كهرباء لبنان، إذ يَضع رفع التسعيرة في خانة “تستير الفضيحة المالية في كهرباء لبنان”، ويقول، المؤسسة واقعة في عجز كبير إذ إن الفواتير التي تجبيها متدنية جداً كونها بالليرة اللبنانية، وفي ذمّتها مستحقات كثيرة وبأكلاف باهظة وحده ربّ العالمين يعلم قيمتها! إن كانت مستحقات لمتعهّدي التشغيل والصيانة، أم لمقدّمي الخدمات، أو البواخر، وتجار قطع الغيار. فالمترتبات التي على مؤسسة كهرباء لبنان تسديدها باهظة جداً، فيما هي مُفلسة!
ويعتبر أن “زوبعة خطة الطوارئ بما فيها زيادة التعرفة وغيرها، هي فقط لتجنيب المؤسسة أي فضيحة في وضعها المالي المُزري. فهي ربطت رفع التعرفة بشروط تعجيزيّة أوّلها تجاوب مصرف لبنان، أي أن يقدّم لها سعر الصرف الأنسب لثمن الفيول. كما طالبت بـ5 آلاف مليار ليرة من الموازنة العامة، وبتسديد ثمن النفط العراقي، فما دخل كهرباء لبنان بثمن النفط العراقي؟”.
ويذكّر في السياق، بأنه منذ العام 2012 على الأقل، كان لدى وزير المال تفويض الحصول على حصّة مؤسسة كهرباء لبنان من حسابها في مصرف لبنان، كثمن للفيول. لذلك يستخدمون تعبير “تسديد عجز كهرباء لبنان” أي ما لا تستطيع المؤسسة تغطيته. إذ كانت تغطي وفق التعرفة المعمول بها، ما بين 25 و28 دولاراً من ثمن المحروقات، وهذا المبلغ لم يَعُد يساوي شيئاً بعد ارتفاع سعر صرف الدولار”.
ويُضيف، لقد ورّطها وزير الطاقة في تلك الحقبة بعقود مُكلفة، إذ إن عقود استئجار البواخر كلّفت نحو 200 مليون دولار في السنة، يضيع منها 40% هدراً غير فني بسبب التعليق على الشبكة، عدا عن ثمن الفيول ما بين مليار ونصف مليار ومليارَي دولار. كما ورّطها في مشروع مقدّمي الخدمات بما قيمته 780 مليون دولار على مدى أربع سنوات لتنفيذ العدادات الذكيّة، وما لم يُنفَذ منها تُقدَر قيمته بنحو 400 مليون دولار. ويقال إن كلفة مشروع مقدِّمي الخدمات قد تجاوزت المليار دولار.
ويتابع، كل تلك الأكلاف حمّلوها على كاهل مؤسسة “كهرباء لبنان”بدون استشارتها أو سؤالها، بل أَلزَموها بها. لذلك تطالبهم المؤسسة بمساعدتها لأنها تعلم جيداً أنهم هم مَن ألزموها بكل تلك الأكلاف… لكن السؤال لماذا قَبِلت بمشاريع هي ليست مقتنعة بها؟!
ويَخلص بيضون إلى القول، إن وضع مؤسسة كهرباء لبنان المالي “فضيحة مدوّية”. إذا قرأنا جيداً ما بين سطور قرار رفع التعرفة، يظهر أن جوهر المشكلة هو حاجة مالية ماسة تريد تحميلها للدولة في أسوأ ظروف تمرّ بها البلاد. حتى الـ6 مليار دولار المتوقَع تحصيلها قد يقابلها هدر بـ60 و70 في المئة في حال وصل سعر الكيلوواط إلى 37 سنتاً، عندها مَن كان يخجل من سرقة الكهرباء سيلجأ إلى السرقة لأن الرادع الأخلاقي يسقط عندما تشتد الظروف المعيشية والحياتية تأزّماً. من هنا، إن ردود فعل المستهلك والمواطنين لن ترحم أحداً. كل ذلك يُضاف إلى “طبخة البحص” المرتبطة باستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية، والتي إن تمت بفعل توقيع اتفاق الترسيم البحري مع إسرائيل ربما، فستكون بمثابة حلول ترقيعيّة لا أكثر.