سِمَةُ العهدِ البائد: أزمةُ وَلاء

 

لن أتمادى في توصيفِ الموبقاتِ التي خلَّفَها العهدُ البائد، والتي أطبقَت على البلادِ والعِباد، فالكثيرونَ مِمَّن ضجَّ الجَمرُ في نفوسِهم، وأقلامِهم، لن يتوانَوا عن تدبيجِ ضُروبٍ من الهجاء، لينتقموا لعِبءِ السّنواتِ العِجافِ التي أنهكَت عمرَهم، وكأنّهم يقولون، وبلسانِ مجموعِ اللبنانيّين المقهورين : الهجاءُ للصّعاليك، ونحنُ جبابرة…

سوف نستهلُّ النصَّ بالإضاءةِ على مفهومِ الولاء، وهو دِرعُ المواطنة، وجُنَّةُ الإنتماءِ الحصينة. إنّ الولاءَ، في المفهوم الوطنيّ، هو الإلتزامُ المُطلقُ، والمؤيَّدُ بالإخلاص والوفاء لوطنٍ ننتمي إليه، ونَنصرُهُ، وندافعُ عن كيانه، ونضحّي لأجلِ استمرارِ وجودٍ له، سالِمٍ وغيرِ مُدَنَّس. من هنا، يشكّل الولاءُ مبدأً وجدانيّاً، وأخلاقيّاً، يصون العلاقةَ بين الوطنِ والمواطن، ويفرضُ نفسه واجباً يرئسُ سائر الواجباتِ التي تترتَّبُ على المُنتَمين الى وطنٍ ما. واستناداً، لا يمكنُ إدراجُ الولاءِ في إطار التَّنظير، وفي سَبكِ الخُطَب، إنّما يجبُ أن يُتَعامَلَ معه انطلاقاً من سُلوكِ الفردِ، أو فِعلِهِ الأدائيّ، وبالنتائجِ يتمُّ الفَصلُ بين مَنْ يولي الوطنَ مناصرةً، وتأييداً، ودفاعاً ولو كان الثّمنُ الكَفَن، وبينَ الذين يتشدَّقون بدون احتراز، ويزايدون بدون فِعل، وينكفئون عند أولِ أزمةٍ تلوحُ في أفقِ الوطن، والأمثلةُ ماثلةٌ ودامغة.

خلالَ العهدِ البائدِ، وعلى مدى بُقَعِهِ، لطالما طُرِحَ السؤالُ عمّا إذا كان ولاءُ القيِّمين على السّلطةِ واجباً، وإلزاميّاً، وضروريّاً، لاستقامةِ العلاقة بينهم وبينَ حيثيّةٍ مقدَّسةٍ إسمها الوطن، بمعزلٍ عن القَيدِ الرّسمي، أو اقتنائِهم الهويّةَ اللبنانيّة، فحَملُهم بطاقة التّعريفِ لا يعني، حُكماً، أو يجزمُ بوجودِ رابطٍ متينٍ، أو عقدٍ جامعٍ يدلُّ على ولائِهم، قلباً ويَداً، واندفاعاً مملوءاً بحميّةٍ أبيّة. وكان الجوابُ يأتي، دائماً، بأنّ حَطَبَ ولائِهم رَطبٌ، يغلبُ عليه الإنهزامُ، والمصلحةُ الخاصة، والإنتهازيّة، والخيانةُ بالتآمُر، وبالتالي، فإنّ ادّعاءَهم الإلتزامَ بالولاءِ خبيث، ومحضُ تَلفيقٍ وزَيَف، وما ذلك سوى أَشنَعِ المسالك.

لم يكنْ أولياءُ الحكمِ، عندَنا، إبّانَ العهدِ البائدِ، أنقياءَ الوطنيّةِ ليمارِسَ الولاءُ عليهم قوّةَ أَسر، فلا يُسمَعُ في ذواتِهم إلّا حِسُّه. ولم ينشأْ تَعاهدٌ، وتَواثُقٌ، بينهم وبينَه، ليتحوّلَ مذهباً طقوسُه العنفوانُ، ومَلاحمُ المدافعة، وفصولُ النّضال، جديراً بأن يُصَنَّفَ في عِدادِ الأسفارِ المقدَّسة. فهؤلاءِ اللّاهثونَ الى السّلطةِ هم نسلُ الهراطقةِ الذين لم يمتلكوا ثقافةَ التَّرابطِ بالإنتماء، ولم ينشأْ عَقدٌ بينهم وبين الإلتزامِ الوطنيّ، ولم تتولَّدْ فيهم أولويّةٌ لحيثيّةٍ علائقيّةٍ بالوطن، لذا، لم يكن وجودُهم على أرضِه، أبداً، نَقِيَّ الهواء.

وإذا كان الولاءُ هو القيمةَ العُليا التي تترسَّخُ في وجدانِ الناس، ما يجعلُ تَحَكُّمَها إمكانيّةً تدفعُ بالمجتمعِ الى تحقيق سيادتِه، وكرامتِه، وهدفِ وجودِه، وحصانةً لاستمراره عزيزاً، منيعاً، صامداً بوجهِ عاتياتِ الأيامِ والظروف، تُطرَحُ الإشكاليّةُ البديهيّة : هل استوفى الحاكِمون المحكومونَ الشّرطَ الموجبَ الذي يُحصّنُ الولاءَ فلا تُنتَهكُ حرمتُه، بمعنى أن يكونَ، معهم، مُطلَقاً، وممنوحاً للوطنِ وحدَه، من دون ولاءاتٍ رديفةٍ أو بديلةٍ مشبوهة، من مِثلِ الولاءِ لإيديولوجيّاتٍ مُضادةٍ للإستقلالِ، ونظامِ الحريّات، وسيادةِ البلاد ؟؟ والمُلفِتُ مع عاشِقي الألقاب، أنّ ولاءَهم المُصفَرّ تَفَوّقُ، بتَبَعيّتِهم الرّعناء، على الولاءِ الأمّ، أي الولاء للبنانَ من دونِ سواه، ما أفقَدَهم ظاهرَ النُّبلِ، والصّدق.

يُجمِعُ الشُرّاحُ على أنّ الخيانةَ الأشدَّ دهاءً في مسألةِ الولاء، هي الإرتباطُ العُضويُّ بغيرِ الوطنِ، وهو سلوكٌ صادمٌ يدمّرُ مقوّماتِ البلاد، ويشوّهُ صورتَها، ويزعزعُ ثوابتَها بانقلابٍ يفرضُ استعماراً، ويبسطُ حيثيةً قبيحةً تودي بمرتكزات الكيانِ الوطنيِّ برُمَّتِها. إنّ الذين تبوَّأوا السُدّاتِ، في زمنِ المصائبِ المُنطَوي، وإرضاءً لاستقواءٍ لا شَرعيٍّ يلوذونَ به، مَحَضُوا ولاءَهم لمشروعٍ قبيحٍ بايعوه، متنكِّرين لهويّتهم الوطنية، ومهشِّمين شرعيّةَ دولتِهم، وباصِمين لصيغةٍ مرفوضة، شعارُها العودةُ الى زمن الولاية، أو عصر الممالك، أو الى ثيوقراطية الخلافة. والأدهى أنّ هؤلاءِ الأقزامَ في الوطنيّة يُجاهرون بولائهم للمستقوين، غيرَ عابئين بما يمكنُ أن تُحدثَه خيانتُهم من فتحِ باب جهنّم أمام الوطن، وقد فتحوه.

لطالما سمِعنا، ومنذ تَوَلي هذه المنظومةِ الفاسدة شؤونَ البلادِ والدولة، أنّ الولاءَ للبنان وحدَه، يُسهمُ في بناء مواطنةٍ صحيحةٍ، ويُعزّزُ التضامن بين شرائح النسيج الوطني، ويَضمنُ انتصارَ قضية الحقّ في بقاء الوطن سيداً، حراً، منيعَ الجانب. لكنّ التّنظيرَ الخُطابيَّ أضناهُ الرِقُّ السياسيّ الذي مارسَه راكِبو الكراسي، وأتتِ النتيجةُ مشهداً انحسرَ عن ذوبانيّةِ الإنتماء للوطن بولاءٍ غريب، وسَوقِ البلد الى اضمحلال سِمَتِه المميّزة، في الحريّةِ والرقيِّ واحترامِ الحقوق، والزَجِّ به في منحىً إنحداريٍّ عَرّضَ كيانَه للسّقوط، وصَدَّعَ وجودَه، ورمى به في هوامشِ الإنحطاطِ، فقراً، وجوعاً، وعَوَزاً، وهجرةً….

إنّ رِجالَ القصورِ المُنساقين الى الإغراءاتِ، في العهدِ البائد، قد قعدَت بهم همَمُهم عندَ مَضغِ الممجوجِ من الشِّعارات المُفتَقِرةِ الى الصّدق، وعندَ كَزِّ خطاباتٍ خامدة، وأدّى تَكَلُّفٌهم الولائيُّ الى انتهازِ الغازينَ فرصةَ الإنقضاضِ على البلد، مُنَفِّذين أجندةً مستورَدةً، وبشكلٍ مُمَنهَج، للبلوغِ بكيانِ لبنانَ الى شهقةِ الموت. فبدلاُ من التشبّثِ بسلاحِ الولاء، وهو خطُّ التَّماس بين الجبانةِ والبطولة، وهو الدليلُ الى المواجهة، وهو الضّامِنُ لإِجهاضِ حساباتِ المتآمرين البلديّينَ ومَنْ خلفَهم في الخارج، الذين يلوّحون بمقصلةٍ تفرُمُ رقبةَ الوطن، لم يأتِ مَنْ في الحكمِ إلّا مجمرةَ التَّدنيسِ بالخيانة، وما ذلك سوى اغتيالٍ سافرٍ للحقِّ في حياةٍ آمنةٍ، وراغدةٍ يستحقّها الشّعبُ والوطنُ على حدٍّ سواء.

إنّ النُّدوبَ العميقةَ التي تركَها العهدُ الرّاحلُ في جسدِ لبنان، لن تكون تَخديراً لجهازِ الوطنِ الإنتفاضَويِّ المُطالِبِ بنقلةٍ نوعيّةٍ صوبَ التَّعافي، والدّفاعِ عن حَقِّ النّاسِ بالحقّ، وسَوقِ ناحِري الولاءِ الى المحاكمة، وإنّ غداً لناظِرِهِ قريب…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل