قد لا يكون التعميم الذي أصدرته “القوات اللبنانية” بعدم الاحتفال في الشوارع أثناء انتقال الرئيس ميشال عون من قصر بعبدا إلى الرابية منعاً للاحتكاك مع أنصار “التيار الوطني” شعبياً، لكن حتماً لا يمكن إلا الاعتراف بحكمة القيادة القواتية المتبصّرة والواعية، لأن لعبة الشارع والحشد في هذه الظروف قد تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه.
حتماً القرار القواتي ليس نابعاً عن خوف أو عدم قدرة على المواجهة، إنما انطلاقاً من حسّ المسؤولية لدى القيادة ومعرفتها بحساسية الشارع والنيّات المبيتة والطابور الخامس الذي قد يدخل لافتعال مواجهات في الشارع المسيحي خصوصاً.
لا شك في أن “التيار الوطني الحر” يعرف جيداً أن القوى السياسية المعارضة لعهد عون عديدة وكلّها تتمتع بقواعد شعبية هائلة بالعدد والتنظيم، وربما تفوق أعداد مناصري “التيار” بأضعاف، وبينها جماهير 17 تشرين، إلا أنها كلّها فضّلت أن لا تحشد مناصريها، على الرغم من تحميل عهد عون مسؤولية كبرى في ما آلت اليه الأوضاع، وستكتفي بمشاهدة مغادرة عون قصر بعبدا بفرح وخصوصاً أن الجميع ينتظر هذه المناسبة منذ ثلاثة أعوام، وخصوصاً عندما وقع انفجار مرفأ بيروت وكان من واجب عون الاستقالة أمام مسؤوليته عن فداحة الكارثة التي حصلت!
لكن لا يختلف اثنان على أن الأنظار تتجه إلى الشارع المسيحي والقوة الأساسية المناهضة لـ”التيار” سياسياً وهي “القوات” التي تعلم من خلال تنسيقها المعهود مع القوى الأمنية بأن حشد القوات لمناصريها وأي تعبير في الشارع سيؤدي إلى مواجهات، مما سيهدد الاستقرار في لبنان. وهذا ما يعتبر خطاً أحمر لدى قيادة “القوات”. في المقابل، تبيّن ان التيار والجماهير العونية لا تأبه للأوضاع التي وصل اليها لبنان بفضل عهد أسود سلّم البلد إلى “حزب الله” وعاث في البلد فساداً بسبب اداء مسؤولي “التيار” الذي كان متولياً السلطة وممثلاً برئاسة الجمهورية بعون وبعشرات الوزراء في الحكومات المتتالية، وتكتل نيابي كبير في كل المجالس النيابية منذ عام 2005 وحتى اليوم. ورغم وجود هذا التيار بالسلطة ومسؤوليته عن أكثرية الأخطاء والخطايا الكبير بحجم الوطن، ينصرف إلى الحشد واستفزاز الشعب يوم 30 تشرين الأول، مما سيزيد النقمة عليه!
من جهة أخرى، تبدي “القوات” في قرارها “الحكيم” احتراماً لواقع الشعب المأساوي والفقر والذل الذي يعيشه، وبالتالي ترى ان هذا الأمر لا يستوجب الاحتفال في الشوارع ولا فتح الشامبانيا، والمجازفة باستقرار البلد. فقد تكون إرادة رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل افتعال مشكلة في الشارع المسيحي لشد العصب، وهذا ما لن تسمح به “القوات”، علماً أن مرور موكب تأبين لأحد مناصري “القوات” منذ اسبوعين أمام مركز “التيار” في ميرنا الشالوحي كاد أن يفجّر الأوضاع لو ردّت “القوات” على اطلاق النار الذي بدأ به حراس مقر “التيار”!
لا شك في ان “القوات” لا تستطيع التواجد مع كل أنصارها ليلة خروج عون من قصر بعبدا، إلا أنها قامت بواجبها ومنعت كل التجمعات في الشوارع من قبلها، وبالتالي أي “مشكل” ممكن أن يحصل لن تغطيه، وبالتالي على القوى الأمنية، أن تضبط أي مواجهة او صدام، والضرب بيد من حديد. علماً أن كثراً من القواتيين يرددون، على مواقع التواصل الاجتماعي، أنهم سيلتزمون بقرار القيادة لكن مع ترك هامش من الحرية للاحتفال داخل بيوتهم!
في الواقع، تعتبر “القوات” ان عهد عون انتهى بما له وما عليه والحكم عليه أصبح في عهدة التاريخ، وهذا حكمه أقسى من كل مظاهر الاحتفالات الاصطناعية والانتصارات الدونكيشوتية التي يريد “التيار” أن يوحي بها، وهو بات في ذروة الإفلاس السياسي ومكروهاً من أكثرية الشعب اللبناني!
