لم يشأ #العهد الراحل ولا سائر “مكوّنات” المسمّاة دولة، تفويت فرصة مشوّقة على الناس التائقين الى بعض التفريج عن الكرب القاتل، فقدّموها بمنتهى الأريحية في مناسبة “جليلة” هي إبرام اتفاق مع إسرائيل على ترسيم الحدود البحرية. من كان يتصوّر قبل أشهر فقط أن يغدو الكلام عن اتفاق بهذا البعد الاستراتيجي التاريخي، بهذا النوع من التكيّف السلس بعدما شاء “القويّ” الذي وقف وراء “العهد القويّ” أن ينخرط في هذا التحوّل. ومع ذلك، فإن الدولة “المكمومة” التي تباهى حكمها وعهدها والرجل الثاني فيه بإنجاز “سوبرتاريخي” تسربلوا جميعاً أمام لحظة النهاية الترسيمية السعيدة، فكان أن أعادوا تذكيرنا من الباب العريض، عشية الرحيل الموجع عن القصر والكرسيّ ومشتقاتهما وحواشيهما، بالسمة الطاغية الغالبة التي وصمت سلطتهم أي وصمة الازدواجية والإنكار. حاروا في من يوقّع هذه الوثيقة ولا يوقع تلك، وفي من يمثل وفي من ينتدب الى الناقورة وفي من ينطق وفي من يصمت وفي من يهلل إذا لزم… وحاروا في قطف ما لا يزال متاحاً من ثمار وفوائد خصوصاً لجهة تجيير دعائي مفرط في الهزلية لجهة عزو الفضل الكامل للعهد والرجل الثاني فيه في هذا الاختراق الاستراتيجي لواقع الشرق الأوسط وحتى النزاع العربي الإسرائيلي.
كادوا يزعمون أنهم ألف باء معادلة استراتيجية نشأت من رحم احتضانهم لـ”المقاومة” ويريدون منّا البصم على أن حياكة التفاوض الصعب والدقيق والجراحي هي صنعتهم وابتكارهم ومراسهم، ولا صلة له بالظروف الدولية والوساطة الأميركية ولا الحسابات العابرة للداخل والإقليم والخارج المتصلة بسلوكيات “حزب الله” والدولة العدو إسرائيل ولا ظروف “الحرب العالمية الثالثة” الباردة – الساخنة التي يشهدها العالم.
حتى الرمق الأخير، بل القطرة الأخيرة، يمضي طاقم هذه السلطة في ظل العهد الراحل بعد أيام في الإمعان في سياسات الازدواجية والإنكار أمام اللبنانيين سواء في الشكليات أو “في الباطن”. تراءى لنا البارحة، في يوم إبرام اتفاق مشهود وموصوف وتاريخي بكل المعايير، أننا أمام دولة مكتومة الصوت، تريد الشيء وضدّه، وتتباهى بالإنجاز وتخجل به أو لا تجرؤ على الاعتراف به كأنها ارتكبت موبقة… إما أنكم أنجزتم المستحيل وإما أن سواكم أنجزه وأنتم الواجهة فاختاروا. هكذا هي حال السلطة – الواجهة التي كانت عليها هذه الدولة في ظل هذا العهد منذ ستة أعوام تنقضي الاثنين المقبل في الحادي والثلاثين من تشرين الأول من سنة 2022 . ولعل سائلاً يسأل: لماذا نثبت المثبت في تاريخ نهاية العهد ما دام لا يحتاج الى إثبات؟ والجواب أن نمطاً و”أيديولوجية” يقومان على سياسات الإنكار والازدواجية كهذه السائدة منذ ست سنوات قد تدفعنا الى الخوف المبرّر من إنكار تاريخ نهاية العهد في اللحظة التي لا نحسب فيها ولا غيرنا أن نفاجأ غداً بشيء فائض من إبداعات الإنكار. قد يكون ذلك في ملفّ الحكومة الثقيل على قلب العهد أو في ملفّ تفسير الترسيم بعد إبرامه بالتوقيع المزدوج أو في ملفّ مرسوم ما يفرخ فجأة ويشعل صراعاً متمادياً الى ما بعد الفراغ وما بعد الولاية المنتهية… الخ.
إذن لا نلام إن “نفخنا في اللبن لأن الحليب كاوينا” حتى في اللحظات التي لا يخطر في بال أن تبقى مشرعة على اللامعقول. ولعل الحكمة بعينها تستدعي من اللبنانيين شدّ الأحزمة بأقصى المستطاع في الآتي من الساعات!