تنذكر ما تنعاد

انتهت ولاية الرئيس ميشال عون الرئاسية وانبعثت معها التمنيات الشعبية والسياسية بأن تكون نهاية أسوأ مرحلة مرّت على لبنان واللبنانيين. انتهت الولاية وانطلقت معها التوقعات بأن تكون البداية لمحاولات الخروج من العذابات والمآسي للبنانيين. انتهت ولاية لم يكن للمتأمّلين بها خيراً ليتوقعوا ما جلبته من مساوئ وكوارث على لبنان ومن انهيارات على كافة المستويات، انتهت ولاية “تنذكر وما تنعاد”.

لن تسع صفحات مجلدٍ كبير لوصف الاضرار التي انعكست على اللبنانيين وعلى لبنان “الوطن” نتيجة لممارسات وقرارات ومنهجية ميشال عون في الحكم، ولكن جميع هذه السلبيات بدأت مع ميشال عون قبل ولايته الرئاسية، عندما كان زعيماً شعبياً وثم رئيساً لتيار ومن بعدها رئيساً لتكتل نيابي ووزاري.

لن تسع صفحات ذلك المجلّد لشرح وتبيان التقلّبات والتكويعات التي اقدم عليها ميشال عون من لحظة دخوله إلى العمل الوطني وحتى نهاية ولايته الرئاسية، فذلك المسار المرتبط بعضه ببعض لا يجوز فصله بتأثيراته السلبية والخطيرة على الوطن. فقط الانفصال الوحيد الواضح كان في مواقفه السياسية التي يُخيّل للمتابعين لها انها حوارٌ بين متنازعيّن ومتخاصميّن وليست نابعة عن شخصية واحدة.

كل ذلك الأداء المُصاب بالعظمة وبالاستهتار المُهين للشعب وبالثقة الكبيرة بالذات وببرودة الاعصاب في اخذ القرارات لم تنبع من بعد نظرٍ وحكمة بل من ادراكٍ ومعرفة بأنه محمي من قبل المؤيدين. هذه المنهجية الخطيرة يجب ان تكون الدافع الأساسي للشعوب لان ترفض تحصين المسؤول بالتأييد الاعمى بل مطالبته لِأن يتحصّن بشفافيته وصدقه وبأعماله، وبهذه المعادلة يُصبح بمقدور الشعب اللبناني ان يحوّل “تنذكر وما تنعاد ” من كلام شعبي يُقال في كل ذكرى سيئة الى معادلةٍ سياسية مبدئية وعملانية. وعملياً، بالحرص لعدم تكراره الخيارات الخاطئة، وبالتقدير لأهمية الدعم والتأييد الذي يُقدّمه لخطٍ سياسي ما، وبالإدراك لضرورة استخدام حقه في المحاسبة، وبالتقييم للأثمان التي تُدفع على مذبح المسارات الانتحارية، وبالشجاعة لرفض واسقاط التيارات الخداعية.

الشعوب التي لا تقرأ تاريخها ولا تعرف ماضيها تُعيد الأخطاء ذاتها لمرّاتٍ ومرّات، وان تكرار الأخطاء يجلب الكوارث، ولذا فعلى المتابعين والمواطنين في هذه اللحظة المصيرية ومع انتهاء ولاية كارثية، التجرّد والعودة الى مراحل حاز فيها ميشال عون على التأييد الشعبي والسياسي الواسع، والتي كان لها الدور الأكبر لإيصاله رئيساً في ما بعد.

تبوُّءه لمركز الرئاسة لم يأت بغفلةٍ من الزمن ولا بفلتة شوط غير مدروسة او بتسوية اللحظة الأخيرة وحتماً ليس بالمعركة الديمقراطية، بل ما فرضه مرشّحاً وثم رئيساً للجمهورية، بالإضافة لعدة عوامل سياسية وظروفٍ تراكمية، التأييد الشعبي له لمدةٍ تزيد عن 30 سنة.

إصرار الناس على دعمه والتصويت لمرشّحيه والرهان على معجزاته، فرضته الأقوى على القوى السياسية الداخلية وعلى الدول النافذة في لبنان، وما اقترفه الشعب بحق نفسه كان التأييد الاعمى غير المشروط بالمحاسبة وتحميل المسؤوليات. استبسل عون باقتراف الأخطاء الخطيرة والاستراتيجية والمبدئية، وبالتنازل عن شعاراته السيادية والاصلاحية والوطنية، ولكن الشعب استمرّ بإعطائه الثقة بعد الأخرى والفرصة تلو الأخرى على الرغم من فشله على جميع الصعد العسكرية منها والسياسية والتنظيمية والإدارية. ولكن للأسف فالتعمية والخداع والنفاق الذي اعتُمد مع الشعب الطيب كان كافياً لإقناعه لتبرير كل تلك الخطايا العونية بحق الوطن والمجتمع مما أدى إلى الانتحار الوطني والاجتماعي.

لا شك أن الوعي للأسباب التي سمحت لميشال عون لتولّي مركز الرئاسة والمسؤولية الأولى في الدولة يُبطل العجب، فبقراءة متأنّية وبتقييم دقيق لتلك المراحل يُمكننا أن نصل إلى “ما تنعاد” وإلا “فستُذكر وتنعاد” بميشال عون جديد وبخيارٍ، ربما اخطر.

اردّتها تقييم للعوامل التي أوصلته وليس محاكمة له، فالشعب يقوم باللازم معه، ولكنني اخشى أن تضرب الخدعة بصورةٍ أخرى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل