“أبوكاليبتو‎” ‎

بالصدفة، تابعت بالأمس على إحدى القنوات فيلماً كنت قد شاهدته عندما عُرض في صالات السينما، لكنني لم أنتبه جيداً الى بعض تفاصيله ومشاهده المعبّرة.

“أبوكاليبتو”، فيلم يتكلم عن بداية تفكك حضارة المايا، إذ ظنّ قادتهم أن إلههم بحاجة للأضاحي. وكانوا يغزون القبائل الأخرى ليأتوا بالرجال ليقدّموهم لإلههم، والنساء ليبيعوهنّ في سوق النخاسة. وكان الشعب يجتمع على أسفل درج المعبد الشاهق، وعلى رأس الدرج يجلس رئيس العشيرة ومعه عائلته، فيأتون بالرجال – الأضاحي أمامهم، ويقتلعون قلوبهم ثم يقطعون رؤوسهم ويدحرجونها من أعلى الدرج الى أسفله.

المهم أن رئيس القبيلة بدأ بخطاب الجماهير قبل البدء بتقديم الأضاحي، وعندما إنتهت المراسم بخسوف الشمس وظنوا أن الإله شبع من الدماء، عاد وخطب في الشعب ليشرح لهم، وبكلام غير مفهوم أحياناً. ولفتني أن هذا الرئيس، رئيس القبيلة، من الصعوبة أن يفهم عليه أحد جراء تلعثمه وطريقة كلامه، ولوهلة تظن أنه ممسوس أو مسكون من الشيطان، من عيونه وطريقة كلامه.

والأهم، أنه مع كل جملة، وفي معظم الأحيان جمل غير مفيدة وغير مفهومة، تهوج الجماهير بالتصفيق الحار والحماسي كرمى لعيون الرئيس، من دون أي إستيعاب أو أي فهم لما يقول، صعوبة إختبرناها ونحن نشاهد الفيلم، فما بالك بالموجودين على أسفل الدرج مع الأصوات المحيطة.

والملفت أنه كيفما تكلّم وكيفما حرّك رأسه ويديه، ومهما قال ولو من دون أي مضمون، وكيفما تصرّف… لا يهمّ، ما يهمّ أن التصفيق شغّال في كل الأحوال.

يمكننا القول من دون أي مبالغة، أن هذا الشعب بالفعل كالغنم، يتبع ما يُقال له بالحرف من دون أي سؤال، حتى عمّا إذا كان هذا الرئيس، رئيس القبيلة، يسير به إلى الجحيم أو لا.

وبصرحة، لا أعلم لماذا لفتتني هذه المشهدية في هذا الوقت بالذات؟ لكنني شعرت بنوع من الحزن والأسف على شعوب كانت تُساق منذ آلاف السنين كالغنم، من قبل رؤسائها، في معظم الأحيان، وكانوا يقودونها إلى حتفها، ما أسفر عن اختفاء حضارات بكاملها، بسبب مَن كان يُفترض به أن يقودها الى برّ الأمان، وإذ به يوصلها الى أبواب الجحيم.

والأسف الأكبر، أن ترى في عصرنا شعوباً آتية من مجاهل ذاك التاريخ. شعوب كالغنم وراء جلاديها، يفتكون بها ويدمّروها ويبيعوها ويُجَيّروها وينقلوها من ضفة الى أخرى، ويُذيقوها كل أنواع الويلات والنكبات، وهي تضع رأسها في الرمال، لا تنظر أمامها إلا عندما تصفِّق لكلام غير مفهوم وولاء غير مبرر. وعندما تسأل عن سبب هذا الولاء الأعمى، هناك تشعر بعمق الكارثة وبهول المصيبة، وتتأكد أن مصير هذا الشعب لن يكون أفضل من مصير تلك الشعوب التي سبقته الى الإنقراض.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل