.jpg)
لم يكن الهجوم الذي شنّته “سرايا الوريث” على محطة أم.تي.ڤي سوى نسخة بائسة من هجوم “سرايا الحزب” على الطيونة وعين الرمانة. فللغزوتين غاية واحدة هي تحريك الحساسيات للاصطياد في مياهها العكرة: الأولى لإثارة فتنة تقضي على التحقيق العدلي في كارثة المرفأ واستتباع ما تبقى من معاقل القضاء المستقل والمؤسسات الشرعية. والثانية لتعويم غرقى “العهد المنقضي” وتنفيس احتقانات انتكاساته المتراكمة، وحفلة عزاء ومؤاساة، ولو عبر خطورة التسبب بفتنة داخلية.
وفشل المحاولتين لا يعني انكفاء صاحبَي “السرايا”، فهما يخططان لمحاولات أخرى من النوع نفسه أو أسوأ، طالما أن إحباطهما السياسي المزدوج في الرئاسة والحكومة يضغط عليهما للهروب إلى الأمام من الخيار الديمقراطي نحو منطق القوة وغلبة السلاح.
وبدأ حزب اللّه يقرن دعمه الميداني لحليفه بإسناد إعلامي تحت شعار التصدي لمؤامرة داخلية عربية دولية (كونية) تستهدفهما، بعزل الأول إسلامياً والثاني مسيحياً. ولا تخفى معاناة نصراللّه في حل عقدة حليفيه المسترئسَين، وعجزه عن حسم ترشيح أحدهما، ما يجبره على اللجوء إلى الورقة البيضاء المتدهورة عدداً ومعنى من جلسة إلى أخرى، إضافةً إلى وجود التباس خفي بينه وبين شريكه في “الثنائية الشيعية” نبيه بري، يسعى راعيا مصالحتهما، النظامان الإيراني والسوري، إلى منع تحوّله من التباس إلى اشتباك.
في هذا المأزق السياسي الذي يرتدي أحياناً لبوساً أمنيّة، يبرز دور الجيش وقيادته في منع انحراف الوضع إلى اضطرابات واسعة، ودائماً تحت عيون دولية تسهر على حصر الأزمة في نطاقها السياسي والاجتماعي الاقتصادي.
ومع عجز “حزب اللّه” عن فرض أجندته السياسية الرئاسية، واضطراره إلى استخدام سلاح التعطيل بالنصاب أو الورقة البيضاء، باتت الحاجة ملحّة لرعاية أو حضانة عربية دولية، لا تكون طهران قادرة على مواجهتها، تفرض نوعاً من حماية أو ضمانة لمجلس النواب، يستطيع معها لم شمل النصاب، بدون أن يكون للمجتمع الدولي والعربي مرشح محدد، فيُفسح في المجال أمام اللعبة الديمقراطية تحت سقف الدستور ومظلة اتفاق الطائف في ذكراه ال٣٣، ويفوز من ينال الأكثرية المطلقة في الاقتراع السري السليم.
وليس هذا الإخراج للانتخابات الرئاسية ضرباً من الخيال، أو من باب السياسة بالأُمنيات، بل له مستند راهن وحيّ وطازج في حلّ العقَد، وهو ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بعد تقاطع المصالح الدولية الإيرانية الإسرائيلية، وبفعل ارتدادات الحرب الأوكرانية على ملف الغاز والنفط.
فكما في الناقورة، حيث ذهبت الضاحية وبعبدا، بصفة شاهدتَين، إلى توقيع اتفاق رباعي أميركي إيراني فرنسي إسرائيلي على الترسيم المائي، وسُمح لهما بالدعاية الإعلامية الهوائية عن تحقيقهما “إنجازاً تاريخياً”، هكذا يمكن التوقيع على ترسيم رئاسي لا يكون لهما فيه سوى حق إطلاق الأسهم النارية!