اولت غالبية دول العالم الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي اهتماما كبيرا من زاوية معرفة مدى قدرة ادارة الرئيس الديموقراطي جو بايدن على المتابعة في السياسة التي اعتمدها منذ وصوله الى الرئاسة الاميركية ام سيكون هناك فرملة ان لم يكن عرقلة لها لا سيما في مقاربته لجملة مسائل خارجية حساسة ومهمة ، وكذلك الامر لامكان ان يشكل ” المد الأحمر” الجمهوري انقلابا لن تقتصر انعكاساته على ما تبقى من ولاية بايدن بل يمتد الى الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا المد الاحمر او التسونامي المرتقب لم يحصل وصمد الديموقراطيون في وجه الهجوم الجمهوري الذي يكبر هامشه اكثر حين يكون في المعارضة وتسهل عليه الامور اكثر. الربح غير الكاسح الذي حصل والمهم لاميركا في الداخل لن يكون في هذه الحال بالاهمية نفسها للخارج على رغم انه يبنى عليه ولا يمكن تجاهله. ولكن اهمية هذه الانتخابات كانت بالغة لكل من روسيا والصين والدول الاوروبية كما الدول العربية والخليجية تحديدا بالاضافة الى ايران واسرائيل ، وجميعها لها حساباتها ومخاوفها مما تحمله او لا تحمله الانتخابات الاميركية في هذه المرحلة من تأثير على المقاربة الديبلوماسية او العسكرية غير المباشرة كما هي الحال في اوكرانيا مثلا. فالدول هذه كلها ، كما العالم ، يتأثر بالتحولات في السياسة الاميركية بغض النظر عن واقع عدم ارتياح دول عدة لمقاربات الادارة الديموقراطية وكانوا اكثر ارتياحا لاعتبارات مختلفة مع الادارة السابقة علما ان #الولايات المتحدة بادارتها الجمهورية او الديموقراطية تراها عواصم عدة متعبة جدا اكثر من اي وقت مضى .
ويعتقد كثر ان بعض الاطراف في لبنان يتابع هذه الانتخابات في مسعى لمحاولة اسقاط نتائجها ككل على الواقع اللبناني من باب تأثر الدول الفاعلة بهذه النتائج على غرار رد الفعل الايراني وطريقة مقاربة طهران لذلك لا سيما على خلفية استمرار تعليق العودة الى العمل بالاتفاق النووي ، تماما كما في التحسب لنتائج الانتخابات الاسرائيلية ونتائجها المحتملة لجهة نقض بنيامين نتنياهو اتفاق الترسيم الحدودي وما يمكن ان يستدرجه ذلك . وكذلك في قراءة دول اخرى معنية بما يهمها وحساباتها البعيدة المدى لهذه النتائج . فلبنان ليس محور العالم ولا هو محور المنطقة وهو ليس في المدار السياسي اطلاقا . ولا يجب ان تكون اي اوهام من اي نوع كانت ازاء ذلك لا سيما ان سياسيين مشاركين في مؤتمر دولي اخيرا نقلوا معطيات لا تختلف اطلاقا عما تعبر عنه عواصم الدول المؤثرة بصوت عال لجهة مدى خطورة استمرار الانزلاق الوضع الراهن في لبنان و ضرورة اعتماد اللبنانيين على انفسهم واتخاذ اجراءات تقضي بادخال اصلاحات تفتح امامهم ابواب الاستثمارات لان الاعتماد على التفاهمات الخارجية ايا تكن غير كاف وكذلك الامر بالنسبة الى الاعتماد على الدول الصديقة كما في السابق . وحتى ان اتفاق الترسيم البحري مع اسرائيل وان كان ضروريا ومهما فهو ليس كافيا كذلك .
هذه التطورات قد لا تسهل، من جانب من يتحسب لانعكاسات نتائجها اقليميا ، حسم الاستحقاقات اللبنانية راهنا او في المدى القريب بل على العكس، في مسعى لعدم التنازل كثيرا او الحد من اضرار التنازل مقدار الممكن . ولذلك كان ولا يزال مرجحا مثلا استمرار تقطيع الوقت مع ترجيح ان تشهد جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية جديدا على صعيد زيادة نسبة التصويت للمرشح الوحيد المعلن حتى الان النائب ميشال معوض مع اتجاه بعض النواب الجدد لمنحه اصواتهم وكذلك الحال بالنسبة الى بعض النواب من الطائفة السنية . ولكن ليس اكثر من ذلك على امل ان يعزز ذلك الموقع التفاوضي للفريق الداعم لمعوض من دون اي وهم حول قدرته وحده على ايصاله الى موقع الرئاسة . ولكن مع اشارة لافتة الى استمرار العجز عن اعلان تبني او دعم رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه او اي مرشح اخر والمراوحة في الورقة البيضاء التي تترجم تعطيلا لانتخاب رئيس جديد يحاول الرئيس نبيه بري ان يدرأ هذه الصفة عنه وعن ” حزب الله” من دون نجاح كبير حتى في معرض رمي الذي يمارسه التيار العوني على كل المرشحين المحتملين بالتعطيل الفعلي والعملاني . فهذا الاخير يضع نفسه في موقع المقرر الحاسم للرئاسة لا سيما في موضوع دعم فرنجيه في حين تعتبر غالبية الاوساط السياسية ان الحزب وفي حال ضمن وصول فرنجيه ممن يقبل به او لا يقبل اقليميا ودوليا الى جانب قدرته على تسويقه محليا ، فانه سيضغط على حليفه العوني للقبول به . ولكن الواقع والذي تعرفه غالبية القوى السياسية ان حظوظ فرنجيه تتفاوت بين من يملك معلومات بانه يتعذر انتخابه نتيجة موقعه السياسي المعروف بالاضافة الى انه نسخة من الحكم اللبناني الذي بات للخارج تحفظات كبيرة عليه والذي فقد صدقيته به في ظل المحسوبيات والمحاصصات وما يتصل بكل هذه الامور ، من دون دليل على امكان فرنجيه خروجه منها ، ومن يقول ان حظوظ هذا الاخير ليس ميؤوسا منها كليا ولو ان انتخابه يبدو بالغ الصعوبة.
الاشكالية في ان الانتظار قاتل للبنان ويتحمل مسؤوليته اكثر فاكثر من يزيد في وطأته في هذه المرحلة الصعبة . وفي حين يتم الحديث عن ايجابية كبيرة في ملف التغذية بالكهرباء ، فليس واضحا اذا كانت تشتري وقتا يسمح بالمراوحة طويلا في الموضوع السياسي.