تراجيديا تطبيق خطاب القسم: اقرأ تفرح عاين تحزن

لستُ، في هذا المجالِ بالذات، بصَدَدِ تفنيدِ الأخطاءِ التي ارتكبَها العهدُ البائدُ، في نواحي الحياةِ العامة، إقتصاديّاً، واجتماعيّاً، وثفافيّاً، وتربويّاً، وإنمائيّاً، وسواها، بالرَّغمِ من أنّ بارِزَ الجرحِ أفضلُ من كامِنِهِ، بقدرِ ما أردتُ التوقّفَ عندَ ما سادَ في خطابِ القَسَمِ، قبلَ ستٍ من السّنوات، من وَشْيٍ مُلفِتٍ لمفهومِ الدولةِ الذي عيَّنَه صاحبُ المقامِ عِدَّتَه، وأرادَ إيداعَه أذهانَنا، لنتهادى، معه، على كِبَرٍ في لَمعِ زمانِ لبنان، وجَبْلَ طقسِ تَرَقُّبِنا بعجينِ الأمل، ولكنْ…

في عَودةٍ موضوعيّةٍ الى نظريّاتِ خطابِ القَسَم، تدهشُنا عواملُ جَذبٍ كثيرةٌ تؤلِّفُ صلةَ قُربى مع تطلّعاتِنا الوطنيّة، لكنّها، وللأسف، خُتِمَت بجوازِ سفرٍ الى إحباطِنا، والى بالِ النّسيانِ، لأنها أُحيلَت الى أهازيجِ الفشلِ والكَذِبِ وتطبيقِ نقيضاتِها. فقد شكّلَ العهدُ، في مَتنِ الخطاب، خارطةَ طريقٍ بارزةً قوامُها اندفاعٌ مُلفِتٌ لفَكِّ أسرِ مفهوم الدولة من الذين كانت آياتُ سرورِهم تحقيقَ حالةٍ شاذّةٍ هي اللّادولة، أو الدولةُ البديلةُ التي لا تمتُّ بصلةٍ الى حالةِ الدولةِ الصحيحةِ كما يُحدّدُها القاموسُ السياسي العالمي، وكما يريدُها أغلبُ اللبنانيّين.لكنْ، إقرأْ تُدهَش، تابِعْ تُحبَط وتستنتج كيف اختلسَت عصابةُ البربرِ ثقةَ المُصَفِّقين، وبعضِ الشّعبِ الآمِل.

في بنودِ خطاب القَسَم، كانت الدولةُ السيّدةُ الكلمةَ المفتاح، وهذا يعني إلزاميّةَ الوقوفِ في وجهِ مشروعٍ مشبوهٍ يرمي الى إضعاف النسيج الوطنيّ ليُصبحَ غير قادرعلى حماية نفسه، ما يُفسحُ للطّارئينَ الزُّناةِ مجالاً لِوَضعِ يدِهم على السلطةِ باللّجوء الى وسائلَ غيرِ مشروعة. وتفسيرُ ذلكَ أنّه ينبغي التّحذيرُ، وأَخذُ الحيطةِ من خطرٍ داهمٍ يرمي الى انهيارِ بُنى الدولة الموجودة، لإقامةِ حيثيّةٍ مشبوهةٍ على أنقاضِها، تُعيدُنا الى زمن الإنحطاط.

لقد تبنّى خطابُ القَسَم أنّ الدولةَ التي هي مجموعةٌ من الأجهزة المكلَّفة تدبيرَ الشأن العام للمجتمع، قد نشأَت،  ضمنَ تعاقُدٍ إراديّ، وتِبعاً لميثاقٍ حرٍّ بين المواطنين، لينتقلَ هؤلاءِ الى الحالةِ المدنيّةِ الرّاقية. من هنا، أكَّدَ الخطابُ على نظريةِ العقد الإجتماعيّ أساساً لقيامِ الدولة الآمنة، مَنعاً لاستمرارِ شكل الحياة في مجتمعٍ بلا دولة، أي في حالة الفِطرة، وهي حالةٌ تتَّسمُ بصراعاتٍ مستمرَّةٍ تنتهي الى سيطرةِ شريعة الغاب حيثُ الحقُّ للقوة. واستناداً، فعلى المواطنين أن يلتزموا بعقدٍ يُضحّون بموجبه بجزء من حريّتِهم من أجل إقامة كيانٍ ذي سيادة، يستحيلُ دونَه حفظُ النّظام والإستقرار. وبالنتيجة، تغدو الدولةُ الضمانَ الأوحدَ ضدَّ الفوضى، وإلغاء الآخر، والأنارشيةِ التي بلا ضوابط. فالدولةُ، إذاً، هي ضرورةٌ وحاجة، والغايةُ من تأسيسها هي تأمينُ الحريةِ للأفراد، والحفاظُ على حقِّهم الطبيعيِّ في الوجود، باعتبارِه وجوداً حرّاً، مُصاناً بالقوانينِ والدستور.

إنّ الدولة، كما يراها خطابُ القَسَم، هي الشخصية الحقوقية المعنوية التي تفرض سيادتها على مساحة الوطن،  وتنبثق عنها السلطات التي تدير شؤون مؤسساتها، وهي، بالتالي، الحامية والضامنة لحقوق الناس. هذا الطّرح بالذّات ينسجم مع ما ذهب إليه علماء الإجتماع الذين اعتبروا أنَ الدولة هي حالة تعبير عن سُمُوِّ الفرد عن أنانيّتِه، ورُقِيِّهِ الى مستوى الوعي الجماعيّ. من هنا، يصحُّ الإستنتاج أنّ الدولة هي الناظم الأساسي للتشكيل الإجتماعي، والجهة المؤتَمَنة على السياسة التي يتمُّ بها تنظيم حياة الأفراد داخلَ المجتمعٍ، اعتماداً على مؤسساتٍ تُشكلُ جهاز الدولة. وهكذا، يمكن للمواطنِ أن يُضفي على حياته نوعاً من الإستقرار، والنظام، عبر التقيُّد بمبادئَ، وقوانين تُشرفُ عليها السلطة العمومية، أي الدولة التي تشكّلُ، بالفعل، الكيان السياسيّ، والإطار التنظيميّ الذي يُوحِّدُ المجتمع، تجسيداً للخير العام، وللمصالح المشتركة للمجتمع.

أما خصائص الدولة، كما وصَّفها خطابُ القَسَم، فهي ممارسة السيادة، أي أنّ الدولة هي، وحدَها، ومن دون شريك، صاحبة القوة العليا غير المُقَيَّدة في المجتمع، وهي تعلو بذلك فوق أيَّة تنظيمات، أو جماعات موجودة داخلها. كما أنَّ أجهزتها هي المرجعية الوحيدة المسؤولة عن صياغة القرارات العامة، وتنفيذها. وأنَّ هذه القرارات مُلزِمة للمواطنين جميعاً، كونَها تُعبِّر عن المصالح الأكثر أهمية لهم. والدولة  تمتلك، منفردةً، قوة الإرغام لضمان الإلتزام بقوانينها، وهي ليست، أبداً، جهازا قَمعيّاً. كما تُمارس الدولة اختصاصاتها هذه على كامل الإقليم الوطنيّ الذي يُشكل وحدة سياسية قائمة بذاتها .

انطلاقاً من هذا الكمّ النظري الموضوعي لمفهوم الدولة، تَوَكَّلَ الخطابُ على مضامينِهِ لتجاوز الأزمة الإستراتيجيّة الحادة التي يمرُّ بها الوطن، والتي تتناول قضية كيانيّة هي وجوده. ويُفهَمُ من ذلك، أنّ طرحَ خطابِ القَسَم يتناقضُ، تماماً، مع طرح الأمرِ الواقعِ المُستَقوي الذي يعمل على التخريب، وإلحاق الضرر بمؤسسات الدولة، وإضعاف مقوّماتها، وإفراغها من مضمونها، لتقويضِها بالكامل، لكي يقوم على أنقاضِها نموذج هجين، مُتَخَلِّف، لا يتناسب مع التركيبة الوطنية، ومع تطلّعاتِ اللبنانيين صوبَ الرقيِّ، والتقدّم.

كان الأجدى بالعهدِ الميمون، ألّا يتلهّى بالتقسيط السياسيّ، وبالصّفقات المشبوهة، والنّهب المُوَثَّق، وإعطاءِ براءةٍ لسلاحٍ غيرِ شرعيٍّ مُدَمِّر، وأن يطبِّقَ ما تَضَمَّنَه الخطابُ في روحيّته، تأكيداً على المصداقيّةِ المُغتالَة في إيهامِ النّاس بأنّ حياتَهم مرهونة بوجود دولةٍ ترعى، وحدَها، الشأن العام كونَها، وحدَها، السلطة الشرعيّة التي تعمل على إشاعة النظام، وتحقيق الأمن، وتأمين الحقوقِ، ورعاية المصلحة الجماعية، وتحرير المواطنين من خوفهم، بتوفير حماية لهم من كلّ أشكال العنف والتسلّط، ليسود مناخ العدالة، والحرية، والمساواة، والسيادة. لكنّ مضمونَ الخطابِ في وادٍ، والقيِّمينَ على تطبيقِهِ في وادٍ آخر، وقد شكّلوا، بذلك، واقعاً هجيناً، موبوءاً، استباحَ ما يُمنَعُ استباحتُهُ في الوطنيّة، والأخلاق، والحقّ، فبدلاً من البَعثِ والنّهوض، أي ما سَمّوه التَّغييرَ والإصلاح، نقلوا لبنانَ الوطنِ والدولة الى جهنَّم، وكان ذلك إنجازَهم النّاجحَ الوحيد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل