إلّا سمير جعجع؟

إن النّابغين يستظلّون بفناء العقل، وحلاوات الأفئدة، ولهب العنفوان، فيلقى قيادهم الى مواقف تطرّز ضروب سلوكهم بالذّخائر. فهؤلاء النّظيفو البقعة، والذين أولع بهم الكثر لأنهم يغرزون في الصّخر ارتعاشات، لم تخب مصابيح المنطق في خطابهم، ولا هدأت ريح الثّورة في لسانهم، فكانوا علامة فارقة بحيث أنّ أيّ إشارةٍ من إشاراتهم، هي حكم، وأنّ أيّ طرحٍ من أطروحاتهم هو غنم.

سمير جعجع هو، بين النّابغين هؤلاء، معترضةٌ من عدّة صفحات، فكيفه بين العاديين إنه، عندنا، من أشهر من أقبل النّاس عليهم، وازدحمت حولهم المقل، ودام في الأذهان صوتهم، ربّما لأنه لم يفتتن، يوما، بالترف الأرستقراطيّ، وبالشّوفانيّة، شأن من هم قوالب جهلٍ مستورةٌ بألقاب، فكان في متناول الجماهير، كلّ الجماهير، يولّه أسماعهم وعقولهم، ممتلكا نوعا من القدرة على خلق رابطٍ بينهم وبينه، هو علاقةٌ سببيّةٌ بين الفعل والإنفعال، كالنّار التي تسبّب في غليان الماء.

سمير جعجع رضيٌّ يتمختر في مطارح الحقّ، متحمّسٌ لآيات الوطن الذي يغترف من معينه، قاد لأجله قوّاتٍ يقطر من نضالها ريحان الشرف، لأنه رفض أن يباد وطنه بالأوجاع، وأن تصفر عيناه بالحزن، وأن ينفخ في رئتيه عصف الموت. لذلك، لم ينسلخ سمير جعجع عن النّضال، فجعله منار اسمه، وحجّة عنفوانه، وطلة جبينه، مفاخرا بكرامته التي لم تكن، يوما فاترة أو باردة الوقع، بل مشرّشة في ذاته، دافع عنها، وكاد أن يدفع حياته لها.

سمير جعجع شرب صفوة لبنان الذي هو، معه، فكرة الله في الأرض، فتوطّأت في كيانه، وعاشها كأوّل شعورٍ سامٍ ولد في الأرض، وآنذاك ولد الأبطال. إنّ لبنان مع سمير جعجع هو صدرٌ أعظم وليس مملوكا، لذلك، فسيادته تشكّل الجزء الجوهري في بنيانه، وعندما قرعت لسمير أبواب الوطن، تعاطى التحدّي الجريء مع ذاته أوّلا، ومن ثم مع سواه، فاستطيب رسالة التحدّي، وأعاد تدشين مقصف الدفاع عن الكيان، والناس، في وجه غزوٍ لم تعد تحصى أضراره، والتشوّهات التي غرزها في جسد الوطن النّازف.

سمير جعجع، في أنواء المواجهة الوطنيّة، ملّاحٌ خبيرٌ متشدّد، يتقن تأصيل المجابهة بنبرةٍ حادّةٍ ذات نفسٍ يخرج من لجج قلبه، ويحمل شيئا من روحه الملتهب الذي تسمو فيه إصحاحات البطولة. فالحماس الذي في عهدته، ليس إعتباطيّا، أو إصطناعيّا، فهو يكتنز دفقا وطنيّا بديهيّا يعجّ بالتمرّد الواعي على ما ينسج للبلاد من تعدٍّ على مكوّنات السيادة، رافضا أن يكون الإذعان هو القاعدة، ولو كان الواقع المفروض سكّينا ملامسا للرّقاب.

سمير جعجع، في زمن قرصنة الوطن، ونخاسة الدولة، والتّخضيع بالتّرهيب، دعا الى مصالحةٍ سرمديّةٍ مع لبنان، نابعةٍ من وجدانٍ وطنيٍّ صامد، يرفض أن تكون الأرض كفنا ينزف رمادا، وتتمتم مراثي الإنكسار، فواجه الأغلال، ولم يترك اليأس يلحس من دمه، ومن عنفوانه، ولم يضيّع جواز مروره الى الصّباح. لقد رفض أن يطمره وحل الظّلم، وأن يهاجم النّواح أنفاسه، وأن يفرض عليه زمن اللّطم، والكتم، والعتم، فكان من البأس والحزم أن قهر جناته، ودحر مؤامرتهم لقتله، فلم يستوحش من ضيق محبسه، وحقّق إنجازا غير مسبوقٍ في عودةٍ، بعد خطّة تمويت، أظهرته أعمق تفكيرا، وأشدّ بأسا، وأبعد رؤية، وأكثر فهما، وأفضل احترافا.

سمير جعجع الصّادق في تعاطيه الوطنيّ، والثّابت في مواقفه السياسيّة، والدّاعم الأزليّ للنظام الديمقراطيّ الضّامن للحريّات، والعدالة، والحقوق، يعتبر أنّ الحكم الصّالح، وحده، يعمل على حفظ كرامة المواطنين، ويثبّت سلطة الدولة على كامل مساحة الوطن، ويدفع الى ارتفاع منسوب الوعي الوطنيّ لتحقيق الإستقرار، والتقدّم. ولإعلاء راية الحريّة بالديمقراطية، وقف سمير جعجع، بكلّ قواه، في وجه قبضة أجهزة الإكراه على قرار الوطن، لكي يزول الشّعور بالتفوّق غير المشروع الذي يقضي على مشروع بناء الدولة، آنا بإشعال فتيل حربٍ باردة، وآنا برفع الإصبع تهديدا، كلّ ذلك لزعزعة الثّقة بالنّظام، مقدّمة لإسقاطه.

سمير جعجع العقل النيّر، حافظ معجم لبنان، لم يخزن لسانه عن الإشارة الى الزلّات والعورات، وآفات الفساد، والإفساد، والتلوّث بالخيانة والعمالة، حاملا مشعل التغيير الحقيقيّ، طارحا مشروع قيام الدولة الذي مشى به أشواطا بعيدة، وهذه هي رسالته الواضحة والثّابتة التي عرضها حلّا للعصف الذي اجتاح الوطن، حربا، ومؤامراتٍ، واضطراباتٍ، ويأسا، وعزلا، وانهيارا على كلّ الصّعد، وتفريغا من القامات والقدرات والعقول والسّواعد…كلّ ذلك ليعود لبنان نموذج التاريخ الحضاريّ، موئلا للكرامة الإنسانيّة، وللحريّة، وللحياة الآمنة.

سمير جعجع أخافهم، بل أرعبهم، لأنّه يسكن في شموخ العنفوان، بصفاء وطنيّته، وصدقيّة مواقفه الإستراتيجيّة التي ليست من فخّارٍ لتستجدي الشّمس، وليست من قصب لتستعطف الرّيح، إنّها النّار في قساوةٍ، والعصف المروس. سمير جعجع من مهدٍ جبليٍّ، متمفصلٌ على الوطن المؤصّل على قواعد الحريّة، يجيد علم المواجهة بعنفوانٍ قويّ العارضة، ويليق به مركز القيادة لأنّه مستحقّ، لذلك، يشنّ الخائفون عليه آخر معاركهم، وما همّ، فمن حقّ لهجة التّراب أن تخيفها صرخات الصّخور.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل