Site icon Lebanese Forces Official Website

“الصراع الماروني” شمّاعة التحوير والتزوير والاستهداف

لا تتوانى العديد من المقاربات المحلية للأحداث اللبنانية، الماضية والحاضرة في آن، عن ربط أزمات الداخل بما يُسمّى “الصراع الماروني”، مرّة للاستهداف الممنهج ومرّات لتمييع الحقائق.

آخر استنباط لهذا التعبير هو الكلام الفجائي عن “كباش ميداني متوتّر” في الشارع المسيحي، دأبت على تسويقه العديد من رؤوس وحواشي قوى الممانعة، وانجرت خلفها الاقلام والتحليلات والتنبؤات يميناً ويساراً، عن قصدٍ أو عن عدم إدراك، تماماً كالمقال الذي طالعنا به الكاتب عمار نعمة في صحيفة اللواء بتاريخ الثامن من الشهر الحالي “الصراع الماروني الذي لا ينتهي… هل يُمهد لما هو أسوأ على المسيحيين؟”، إذ ضمّنه جملة من المغالطات التي لا بُدّ من تصحيحها، التزاماً بتنقية الذاكرة وفي احترام مَدارِكها.

إنّ إقحام حزب القوّات اللبنانيّة في ما يُحكى عن “إمكانية حدوث توتر ميداني في الشارع المسيحي” هو محض افتراء وتجنّي وتحليل غير موضوعي تدحضه كلّ الوقائع، ليس آخرها التشديد الرسمي لـ”القوات” على كلّ محازبيها وتمنّيها من كلّ مناصريها عدم تنظيم أيّ تحركات ميدانية مهما كان شكلها أو موقعها إبّان مغادرة رئيس الجمهورية المنتهية ولايته لقصر بعبدا، تجنّباً لأيّ تصادم مع أنصار الاخير.

أمّا بعد، فإنّ كل الاحداث الميدانية التي شهدتها المناطق اللبنانية في السنوات الاخيرة منذ ما بعد ثورة الارز لم تحمل طابعاً “مسيحياً مسيحياً”، بقدر ما كانت صداماً ما بين مجنّدي مشروع الدويلة وأحرار مشروع الدولة، من الثلاثاء الاسود والسابع من أيار العار وصولاً إلى أحداث ١٧ تشرين والناعمة ومحاولة غزو عين الرمانة.

هذا كلّه لا ينفي مساعي محور الممانعة المأزوم شعبياً وبرلمانياً ورئاسياً ووجودياً في محاولته استخدام بعضاً من أتباعه المسيحيين لافتعال بعض التوتّرات التي لم ينجح في إتمامها سابقاً لتعويض خسائره المتلاحقة من جهة، ومحاولة بعض المسيحيين وتحديداً التيار الوطني الحر في طمس هزيمة عهده بفبركة بطولة وهمية على حساب أمن مؤسسة اعلامية من هنا أو أمان منطقة لبنانية من هناك.

حتّى أنّ ما تناوله الكاتب عن أنّ “الحرب الضروس بين المسيحيين في أوائل التسعينات” نتجت عن صراع على السلطة استمرّ حتى اليوم وكانت “القوات” جزءًا منه، هو تشويه تاريخي متعمّد لمسيرة مقاوِمة ونضالية قُدّمت فيها التضحيات وسنوات من الاضطهاد والنفي والاعتقال والاستشهاد.

وانعاشاً لذاكرة الكاتب، فإنّ “القوات” أبت الدخول في أيّ صراع مسيحي مسيحي لو لم تُوضع أمام حكم الرضوخ لهذيان سلطوي من هنا ومخالب احتلالية من هناك، وقد تجنّبت مراراً وتكراراً وحتّى الرمق الاخير الانزلاق للتقاتل الداخلي لو لم تجد نفسها مضطرة للدفاع عن أمن مجتمعها.

ليست “القوات” مَن اختارت تدمير المناطق المحرّرة في الماضي وليست اليوم مَن تواصل تغطية ميليشيا مسلّحة تُدمّر بمشروعها الدولة والمؤسّسات. إنّ ربط مَن اختار حرّية الموقف على اعتقال الجسد ومَن اختار مشروع الدولة وكرامة المواطن على جنّة السلطة والمغانم، لا يُمكن اتّهامه بالسّعي إلى السلطة ولا بالصّراع مع المسيحيين الآخرين لأجل الكراسي، لأنّه كان من الاسهل استبدال زنزانة الثبات بـ4114 يوماً من وهم السلطة أو من ذمّيّة قصر خارجيّ.

ذروة التجنّي تمثّلت في اعتبار الكاتب بأنّ الدكتور سمير جعجع حارب “الاتفاق الثلاثي” بسبب تهميشه فيه وأنّه قَبِلَ باتفاق الطائف لرهانه على مستقبل فيه، وقد فاته بأنّ الاتفاق الأول أُريد منه إضعاف المجتمع المسيحي وتالياً ضرب أيّ فرصة لقيام الدولة في لبنان وهو ما يتناقض تماماً مع أهداف “القوات” منذ نشأتها، كما أنّ الاتفاق الثاني جاء على أنقاض حروبٍ عبثيّة لم تكن “القوات” مَن أطلقها، وبالتالي إنّ جعجع هَمَّشَ مَن أراد خطف الارادة اللبنانية الحرّة من خلال نسفه “الاتفاق الثلاثي” ولم يُهمَّش، وراهنَ على مستقبل للدولة الحقيقية في التزامه مع الكنيسة بـ”الطائف” ولم يُراهن على مستقبل سلطوي فيه، والا كان يستطيع أن يختار القبول بعروض السلطة عوض خيار المعتقل.

وليس “الاتفاق الثلاثي” أفضل من وثيقة الوفاق الوطني للمسيحيين كما روّج الكاتب، لأنّ الاول شرّع لبنان للاحتلال السوري ومهّد لتخلّي المسيحيين عن قرارهم السياسي وحرية تقرير مصيرهم مقابل صلاحيات شكلية لكن بتبعيّة كاملة للنظام الاسدي بدءًا بتوجّهات السياسات الخارجية وصولاً لتشريع الوجود العسكري، عدا عن أنّه همّش مكوّناً لبنانياً أساسياً تمثّل بالطائفة السّنّيّة.

لم تربط “القوات” وجودها برهان على دعم خارجيّ أو إقليميّ يوماً، لأنّها لو فعلت ذلك لكانت اندثرت منذ زمن أو لكانت استمراريتها مرتبطة بدعمٍ انتخابيّ من هنا وغطاءٍ سياسيّ من هناك، كما حال غيرها. إنّ حضور “القوات” ومواقفها وخطواتها أكان في العلاقة مع الخارج أو في التواصل مع الداخل يقوم من إرثها المكتسب وفقاً لركائز سيادية لا تتنازل عنها مهما حصل؛ ويبقى طموحها الوحيد في السابق والحاضر كما في المستقبل هو بلوغ قضية الانسان الحرّ في هذه الارض موطئ أمانٍ أزلي، حيث الشرعية الوحيدة التي تُمثّلها الدولة هي التي تضبط أيّ تفلّت مدبّر أو نزوة أمنيّة، ويبقى أنّ كلّ ما يُحكى عن صراع طائفي أو توتّر ميداني مجرد مخطط لا شرعيّ لن يقود “القوات” إلا للتمسّك أكثر فأكثر في حكم الشرعية وفي سلطتها العسكرية والامنية من جهة وفي خطابها الوطنيّ اللبناني السياديّ الصّرف من جهة ثانية.

Exit mobile version