هل يبقى ملف الترسيم مع قبرص محكوماً بـ”التأجيل”؟

أين بات ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص؟ وهل حددت الدولتان المعوقات التي رحّلت مراسم توقيع الاتفاق قبل نهاية عهد الرئيس السابق ميشال عون إلى عهد آخر، بعدما كانت أجواء قصر بعبدا أوحت بأنه أصبح “وشيكاً” وقابلاً للترجمة خلال أيام وساعات؟

وهل يستطيع لبنان مباشرة عمليات التنقيب حيث تلتقي المناطق الاقتصاديَّة الخالصة بين لبنان وإسرائيل وقبرص، على الرغم من القيود التي فرضتها اتفاقية الترسيم مع إسرائيل، واشترطت وجود موافقتها على مراحل الاستكشاف النهائية والتنقيب والاستخراج؟ وهو ما يوحي بأن الإنجاز الحقيقي قطفته إسرائيل لا لبنان، خصوصاً أن التنازل اللبناني تجلى في وجود “حقول مشتركة” أوجبت على شركة “توتال اينرجيز” الفرنسية (قائدة الكونسورتيوم) توقيع اتفاق مع إسرائيل لتقاسم حصص من الأرباح؟

انتهى العهد الرئاسي لميشال لعون، ودخل لبنان في مرحلة شغور مؤسساتي شامل، ولم يبصر اتفاق الترسيم مع قبرص النور. صحيح أن معاهدات دولية مماثلة تحتاج إلى أشهر وسنوات قبل الوصول إلى خواتيم سعيدة، لكن المواقف الملتبسة لأهل السلطة تثير التساؤلات والشكوك حول صحة ما تردد أخيراً، بدليل أن الملف سقط من قائمة الاهتمامات بعد إنجاز الترسيم جنوباً مع إسرائيل، وذلك من دون تبريرات أو توضيحات قادرة على طمأنة اللبنانيين بأن مصالحهم الغازية في أيادٍ أمينة وملاحقة بجهود ومساع متواصلة لإقفال هذا الملف الحيوي.

أين أصبحت اللجنة الوزارية برئاسة وزير الأشغال والنقل في حكومة تصريف الأعمال علي حمية من مهمة تكليفها متابعة الاتصالات وصولاً إلى توقيع اتفاقية الترسيم مع قبرص؟ وهل صحيح أن السياسة دخلت على خط الاقتصاد، فطيّرت المصالح وأرجأت الاستحقاقات إلى آجال غير مسماة؟

فور انتهاء زيارة الوفد القبرصي إلى بيروت للبحث في اتفاقية الترسيم، تساءل نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب عن “السبب الحقيقي” للعرقلة التي تشوب الملف، مشيراً إلى أن “النقطة المتعلقة بالحدود مع سوريا تم الاتفاق على أن تبقى عالقة ريثما يتم التوافق في شأن الملف بين لبنان وسوريا”. وهذا ملف آخر يدل على رغبة بعض الأفرقاء في تعليقه إلى حين نضوج تسويات تنجم عن تشابك المصالح الإقليمية.

وفي السياق، تقول الخبيرة الاقتصادية فيوليت غزال البلعة، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إن حكومة تصريف الأعمال مطالبة وضمن حدود الصلاحيات الضيقة الممنوحة لها بحسب الدستور لهذه المرحلة، بمصارحة الرأي العام اللبناني وتحديد المعوقات ونوعيتها، لجهة ما إذا كانت مجرد إجراءات تقنية وقانونية أم عقبات سياسية تحول دون توقيع الاتفاق، وذلك استناداً إلى ما تردد عن دخول تركيا على الخط 23 واعتبارها أنه يدخل في مجالها الحيوي، مشيرة إلى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أُبلغ منذ العام 2012 بالموقف التركي الرافض للترسيم، حين زار أنقرة بصفته رئيساً للحكومة، وبرفقة وزير الأشغال حينذاك غازي العريضي.

وترى أنه إذا ثَبُتت صحة وجود “المعوق السياسي”، فإن لبنان سيسير على درب قبرص النفطية، لجهة تجميد نشاطه إلى حين بت الخلاف، وهذا ما خَبِرته قبرص منذ مطلع الألفية الثانية، بدليل أن “الفيتو” التركي يحول حتى اليوم دون استخراج غازها الموعود من حقل “أفروديت”.

وتشير إلى أن إنجاز ملف الترسيم مع قبرص يرتبط مباشرة بمرحلة الشغور الرئاسي المفتوحة السقوف، لكن هذا يجب ألا يحول دون أن تتابع اللجنة الوزارية برئاسة وزير الأشغال مهمتها، لجهة الاستمرار في التواصل مع الجانب القبرصي الذي تشكل بلاده أحد الحدود الثلاثة للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، وبالتالي يستحيل تحديدها إن لم يتم الاتفاق بين الدول الثلاثة على إقرار تعديل النقطة 1 التي اعتمدت “كنقطة مؤقتة” يوم رسمت قبرص مع إسرائيل في العام 2007 بموافقة لبنان (عهد حكومة فؤاد السنيورة)، بالنقطة 23 التي اعتمدت في اتفاقية الترسيم بين لبنان وإسرائيل أخيراً.

علماً أن لبنان كما قبرص، وفق البلعة، لم يحترما نص المادة الثالثة من الاتفاق الموقع بينهما والتي نصّت على أنّه “إذا دخل أي طرف في مفاوضات تهدف إلى تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع دولة أخرى، يتعيّن على هذا الطرف إبلاغ الآخر، والتشاور معه قبل التوصّل إلى اتفاق نهائي مع الدولة الأخرى، إذا ما تعلّق التحديد بإحداثيات النقطتين 1 و6”. وتشير إلى أن التفاوض مع قبرص في العام 2009، افضى إلى التراجع نحو 17 كلم عن حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان في انتظار تحديد نقطة الحدود الثلاثية بين لبنان وقبرص وإسرائيل.

وفي ظل عدم تحديد نقاط التعديل بموافقة الدول المعنية حتى الآن، تضيف البلعة، سارعت قبرص إلى تحريك الملف فور توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، بما حفّز نيقوسيا على وضع نقاط المصالح الاستراتيجية على حروف التدخلات السياسية، بقول مصادر مواكبة للاتصالات إن “الأمر لا يحتاج إلى تفويض للتوقيع، ولا مراسلات ولا لجان، بمقدار ما يلزمه قرار سياسي”.

فهل صحيح أن حكومة ميقاتي تحاول تجنّب تعديل اتفاق موقع مع قبرص منعاً للإحراج مع الجانب التركي، بما يجعل الحاجة ملحّة إلى وجود وسيط دولي لتذليل العقبات؟ وما مصير هذا الملف إن عاد ميقاتي إلى رئاسة الحكومة بعد انتهاء فترة الشغور الرئاسي؟ وهل يبقى ملف الترسيم مع قبرص غير المحكوم بـ”خلافات جوهرية”، محكوماً بعنوان “التأجيل”؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل