يد عون الخفية في اتفاق الطائف

اتفاقٌ حُمِّلَ أكثر مما يحمل، ونُفّذَ منه أقل مما يجب. تكونت الحاجة إليه من الظروف التي أدت إلى انعقاد المباحثات بشأنه العام 1989 في ظل فراغٍ دستوري، غياب لرئيس الجمهورية، جيش مقسوم، حكومتان تتنازعان على الصلاحية، احتلال سوري مع تراخٍ للموقف الدولي والعربي إلى حد الموافقة على تسليم لبنان للوصاية والاحتلال السوري وتزعزعٌ في ميزان القوة نتيجةً لحروب العماد ميشال عون الطائشة التي أصابت المقاومة المسيحية في الصميم ومن قلب المنطقة الشرقية، فأتى هذا الاتفاق نتيجة لحرب التحرير التي شنّها عون لإعادة تنظيم العقد الاجتماعي بين الجماعات اللبنانية عبر تكريس الاتفاقات والأعراف السياسية المعمول بها في لبنان بدستورٍ مكتوب يحفظ حقوق كل جماعة.

إنه اتفاق الطائف، فما هي أسبابه ومبرراته؟ وهل نفذ أم تم الانقلاب عليه؟

تسارعت الأحداث في لبنان منذ منتصف ستينيات القرن الماضي فزادت تعديات الفصائل الفلسطينية على السيادة اللبنانية، وزاد معها الانقسام اللبناني من الوجود الفلسطيني في لبنان في ظل تأييد إسلامي لهذا الوجود ومعارضة مسيحية، ووصلت الأمور إلى ذروتها في العام 1969، مما أدى إلى توقيع اتفاق القاهرة بين الجانبين اللبناني والفلسطيني بهدف تنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، وعلى الرغم من التزام لبنان بهذا الاتفاق، إلا أن النية الفلسطينية قد تجلت برغبة هؤلاء باحتلال لبنان وجعله وطناً بديلاً عن فلسطين المحتلة فأتى الانفجار الكبير في العام 1975 واندلعت الحرب بين المقاومة المسيحية والفصائل الفلسطينية مع التنظيمات اليسارية المؤيدة لها.

وأمام هذا الواقع، دخلت إلى لبنان قوات ردع عربية كان الهدف من دخولها إعادة الاستقرار إلى لبنان ومساعدته في إنهاء حالة التمرد الفلسطيني في أراضيه واسترجاع سيادته، لكن سرعان ما تحولت هذه القوات العربية إلى قوات سورية فقط، وأصبح لديها هدفاً واحداً أحد وهو احتلال لبنان، فما كان من المقاومة المسيحية سوى توحيد صفوفها تحت اسم “القوات اللبنانية” بقيادة بشير الجميل من أجل إحباط مخطط نظام الأسد، واستطاعت “القوات” فرض توازن للقوة بقيادة الدكتور سمير جعجع لعدة سنوات حيث أصبح للبنانيين منطقة مستقلة من أي احتلال عرفت “بالمنطقة الحرّة”، إلى أن شارف عهد رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل على الانتهاء في العام 1988، فأسلم الحكم إلى الفراغ المملوء بقيادة حكومة عسكرية على رأسها العماد عون، فاستقال منها الوزراء المسلمون وشكلت حكومة ثانية برئاسة سليم الحص، وانقسم الجيش اللبناني بين مسلمين ومسيحيين، وخاض عون بعدها اكثر من حرب غوغائية، فكانت “حرب التحرير” ضد سوريا سبب “الاتفاق” الرئيسي.

تحسست  الدول العربية عمق الأزمة اللبنانية، وقررت في مؤتمر القمة العربية المنعقد في الدار البيضاء العام 1989، إنشاء لجنة عليا مؤلفة من ملكيّ المغرب والسعودية ورئيس الجزائر لإنجاز هذه المهمة، فدعت هذه اللجنة في أيلول العام 1989 البرلمانيين اللبنانيين إلى الاجتماع في مدينة الطائف في السعودية كما أعلنت وقفاً لإطلاق النار في لبنان وتأليف لجنة أمنية برئاسة الأخضر الإبراهيمي للإشراف على تنفيذه.

افتتح المؤتمر بحضور الأمير سعود الفيصل، ومن ثم بدأ النواب اللبنانيين وممثلو الجهات المتنازعة على التشاور في ما بينهم، وكانت أهم المواضيع التي طرحت هي الصلاحيات والرئاسات، اللامركزية، الطائفية السياسية، عدد النواب، السيادة الوطنية والعلاقات مع سوريا، وقد تم الاتفاق على تقوية صلاحية المجلس النيابي وتحديد عدد أعضائه بـ108 نواب، كما زيادة صلاحيات المجلس الوزاري وتكريس حق رئيسه بالمشاركة باختيار الوزراء وتشكيل الحكومة حيث تم نقل بعض الصلاحيات من رئاسة الجمهورية إلى المجلس الوزاري مجتمعاً، وأصبحت السلطة الإجرائية بيد المجلس وليس بيد رئيس الحكومة كما يشاع، كما أنَ إنتاج السلطة في لبنان يبقي بيد رئيس الجمهورية عبر صلاحيته بتوقيع مرسوم تشكيل الحكومة منفرداً. وأهم ما تم الاتفاق عليه هو حل كافة الميليشيات وتوحيد السلاح بيد الدولة اللبنانية الشرعية وفرض سيادة وسلطة هذه الدولة على كامل الأراضي اللبنانية ونشر الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية لاسيما الجنوبية منها والالتزام باتفاق الهدنة مع إسرائيل العام 1949، وانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية على مرحلتين الأولى نحو البقاع ومن ثم إلى الأراضي السورية خلال مدة أقصاها سنتين من تاريخ توقيع الاتفاق، وأن يهيمن على العلاقات اللبنانية السورية التعاون والاحترام المتبادل بدولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بالسيادة الكاملة والمطلقة على أراضيها.

نفذت “القوات اللبنانية” الشق المتعلق بها من الاتفاق وسلمت سلاحها للسلطة الشرعية، ولكن للأسف تم الانقلاب على اتفاق الطائف، فحكومة رشيد الصلح أقصت الوزراء الذين كانوا ينادون بتطبيقه، وحزب الله لم يسلم سلاحه، وسوريا لم تنسحب من لبنان واللامركزية لم تطبق، وقد تم اللجوء إلى إقرار قوانين انتخابية وتوزيع للدوائر بشكل يضمن فوز حلفاء لا بل عملاء سوريا في لبنان، للسيطرة على القرار السياسي وزيادة الإطباق الأمني، بالإضافة إلى تهميش الدور المسيحي الفعلي في السلطة بكافة الطرق وصولاً إلى اعتقال قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع وحل الحزب بهدف إخماد أي محاولة لاستعادة الاستقلال اللبناني وسيادة الوطن.

وفي الختام، عاد أغلبية اللبنانيين ونادوا بتطبيق الاتفاق في العام 2005، فصح الصحيح وخرج الجيش السوري من لبنان بضغطٍ لبنانيّ ومناخ دوليّ مؤاتي. “الطائف” لو لم يكن الاتفاق الأمثل، لكنه كان ولا يزال أفضل الممكن، لاسيما أنه لا يمكننا الحكم عليه في ظل عدم الالتزام التام بتطبيقه خاصةً وأنّ “حزب الله” لم يسلم سلاحه لغاية تاريخه، كما أنه لا يمكن المناداة بتعديله أو تغييره قبل تطبيقه بشكل صحيح وكامل.

يبقى السؤال، لماذا من عارضه بالأمس، وهو من كان السبب الاساسي في الوصول اليه، وافق عليه لاحقاً وانتخب رئيساً للجمهورية في العام 2016 وحكم على أساسه؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل