سِفرُ الشهداء

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1734

ما من عيونٍ بشريَّةٍ نَفّاذَةٍ توفَّقَت وتفوَّقَت في لَمحِ أطيافِهم السارافيميَّةِ المُخضَّبةِ  بأسرارِ دمائهم الإفخارستيَّةِ كما لَمحتهم بصيرةُ يوحنا الحبيبِ في انخطافِ رؤياهُ إلى مواكبهم الكيانيَّةِ الجامعةِ لبنانيّاتهم بسماويّاتهم المُلوِّحةِ بأغصانِ الأرزِ إنخطافًا وصفه بولس الرسائليُّ باللم تَرَهُ عينٌ ولم تسمع به أذُنٌ للذي أعدَّه قدّوسُ الخلاصِ لمَن اعتنقوا آيةَ آياتِ الفداءِ الأقدس: «ما مِن حُبٍّ أعظمَ مِن أن يبذُلَ المُحبّون أنفسِهم عن أحبّائهم»!

ذلكَ التلميذُ الطَّاهرُ الذي أوصاهُ مُعلِّمُهُ بأمِّه الحزينةِ يوم قاد جبهةَ الجمعةِ العظيمةِ: «يا يوحنّا هذه أمُّكَ». ومريمَ المسفوحة القَلبِ عندَ جزعِ الصَّليب قد أوحَت ليوحنّاها رؤياه السّابعةُ من فصولِ سِفرِ الرؤيا واصفًا الحالةَ النّورانيَّةِ لِمَن استشهدوا برصاصٍ وشظايا مسبوكةٍ مِن مسامير الصَّلبِ فَشَهِدَ التلميذُ الطاهر الحبيب :»فقال لي واحدٌ من الشيوخِ: «مَن هم هؤلاءُ الذين يلبسون الثيابَ البيضاء ومِن أينَ جاؤوا؟» فأجبتُه: «أنتَ تعلمُ يا سيِّدي». فقال لي: «هؤلاء هم الذين أتَوا مِن الضِّيقِ الشَّديد فغسلوا حُلَلَهم وبيَّضوها بِدَمِ الحَمَل. لذلكَ هم أمامَ عرشِ القدّوسِ يُسبِّحونَه في مَعبدِه ليلاً نهارًا والجالسُ على العرشِ يُظلِّلُهم بخيمتِه، فَلَن يجوعوا ولن يعطشوا  ولن تَضربَهُم الشَّمسُ ولا أيُّ حَرٍ لأنَّ الحَمَلَ الذي في وَسَطِ العَرشِ يرعاهُم ويهديَهُم والله الآبُ يمسحُ كلَّ دمعةٍ مِن عيونهم»!!

يا شهداءنا

عام 1975 وقبلُه 1969 و1958 دَقَّ الخَطَرُ أبواب الوطنِ بِعنفٍ رَجَّ جهاتِه الأربع وخلَّعَ مفاصلَ النظام والإنتظام العام وشلَّعَ الوزارات والإدارات، فتفتَّقَت عبقريّةُ استراتيجيي التقيَّةِ والإنهزامِ ودَفنِ الرؤوسِ في الوحولِ عن خِطَّةٍ «إنقاذيَّةٍ» غيرِ مسبوقةٍ في جميعِ علوم استراتيجيّاتِ المواجهاتِ قَضَت بتجميع القِوى المُسلَّحةِ الشرعيَّةِ ثمَّ ضَبِّها داخل ثُكناتِها خشيةَ انقسامها وتفكُّكها وتَشرذُمِها حينَ الوطنُ يتقَسَّم ويتفكَّكُ ويتشرذمُ ويتشظَّى!

دَخَلَ السِّلاحُ المَرصودُ لحمايةِ الأُمَّةِ فانفلتَ سلاحُ الأغرابِ إنفلات الثعابينِ من أوكارها.. وفي اليومِ العصيبِ خَرجتم أنتم من بيوتِكم وعائلاتكُم ومدارسكم وملاعبِكُم ونهاراتِ رفاهيّاتِكم وليالي سهراتِكم وحفلاتِكم وملاهيَّكم وكلُّ رأسمالِكُم الإستراتيجيِّ عيوناً عليها مُقاومة مخارز سلاطين أمم المؤتمراتِ والمؤامرات. خرجتم إلى المتاريسِ المرتَجَلة والدُّشَمِ البدائيَّةِ، فتيانًا بخبراتٍ عسكريَّةٍ شِبهِ معدومةٍ وفنونٍ قتاليَّةٍ في صفوفها الإبتدائيَّةِ وأسلحةٍ تراثيَّةٍ بِدائيَّةٍ كان عليها مجابهة ومواجهة تَرساناتٍ من أحدثِ الأسلحةِ المُعطاةِ بسخاءٍ لا مثيل له مِن طُغُماتِ أركان المؤامرة الأعرابيَّةِ الأممية لمًعسكراتٍ إرهابيَّةٍ يُديرُها أبواتُ العار والنّار والدمار أيام قرَّروا بأنَّ فلسطينهم تمرُّ في جونية وعين الرمّانة وعين طورا وزحلة وعيون السيّمان!

يا أبرارَنا

داخلَ أبرشيّات المتاريسِ والمرابضِ والمحارسِ المحفورةِ الأساسات بِركابِكم المَطويَّةِ على عَفيرِ ترابها ودَبشِها المرفوعةِ الأقداسِ بأكداس أكياس الرَّملِ تعتنقون إيمانًا باهرًا بأنَّ الوطنَ لن يُدركَ قيامًا وقيامةً إلاَّ حين يؤمنُ بقدسيةِ دمائكم والقداساتُ لا تُعطَى إلاَّ للقديسين!

من جمهوريَّةِ أكياس الرَّملِ وحفائر الأرض صعودًا إلى جمهوريَّةِ الغاسلين حُلَلَهم بِدَمِ الحَمَل رفعتم رسائل مُدويَّةً إلى «عُظماء» القرارات الدولية بأنَّ عيون الشهداء وحدها تُخفِضُ عيونَهم، وعِظام الشهداء وحدها تُرهبُ وتُرعِبُ عَظَمتهم، وبأنَّ الموت لا يدوم داخل أضرحة الشهداء أكثر من ثلاثة أيامٍ، وما من حارسٍ من حرّاس الفناء مَهمَا كان مدعومًا ومُدَعَّمًا لا يُمكنُه الصمودُ أمام قبر شهيد!

يا أصفياءنا

ما كان ولن يكون مَن يتجرَّأ على نَدبِ دمائكم وأنَّها قد ذهبت سُدًى في حالِ سبيلِ مكانِها وزمانِها وأنتم مُتكوكبونَ لاهوتًا وناسوتًا وتاريخًا حولَ رائدِكم حَمَلِ الله الحامل خطايا العالم تخضعون مِثلَه لقوانين محكمة قيافا، تتعرَّضون مِثلَه للسعات ولدغاتِ ألسِنةِ شهود الزّور، تسيرون مثلَه حُفاةً تتعرضون لسخرية موبوئي الأخلاق مَمسوخي العقول مُعفَّني القلوبِ مُفَحَّمي الضمائِر محروقي الذاكرات، يفحّون فحيح  شعب برأبّاس المُنادي بتبرئةِ كبير لصوصه وأعتى سفّاحيه وإنزال عقوبة الإعدام صلبًا بَرَجُلِ الأوجاع المضروب بالعاهات والجراح لأجل معاصيهم!

إخوتَنا رفاقنا يا نور عيوننا وكنز قلوبنا

لشعبنا الجالسِ في الظُّلمةِ رافضًا أن يُبصرَ نوركم العظيم نورَ ليالي ميلاد خلاصه. لبعضِ شعبنا الهجين الذي اعتبر أنَّه قد استأجَر منكم دماءَكم أيام لم يكُن له غيرها يحمي عُنُقَه من الذَّبحِ ورأسه وأهله من السبّي وبيته من الهدم وعَرضَه من الإنتهاك، وحين آن أوان السلم الأهلي الهزليِّ الهزيل صمَّمَ السَّفيهُ على فَكِّ عقدِ الإيجار الأطهرِ، مُلتحقًا بصحافة الإستيراد والتصدير التي ابتكرت لكم نعتَ أمراء الحرب وأنتم ما كنتم يومًا إلاَّ أمراء الوجود والحدود.

إلى هؤلاء الهجّانة منفردين ومجتمعين هذه الحكاية الأشبه بقبلة الإسخريوطي ليلة الصَّلبِ العظيم :أحد ليالي شباط 1980 الهوجاء العواصفِ والقذائف انطلقت سريَّةُ مغاوير من المجلس الحربي قاصدةً بلدة قنات المُتعرِّضة لهجمات سفّاحي الوحدات الخاصة الأسدية، وعند وصول قافلة النجدة عند نفق نهر الكلب تفاجأت بزحمة سيرٍ خانقةٍ إضطرتهم لقطع المسلكِ الغربي لأجل عبورهم الطارئ إلى هِضاب جبّة بشراي وربحِ كلِّ دقيقةِ وقتٍ غالي الثمن بالنسبة لثمانين رفيقٍ لهم يواجهون ويُجابهون أعتى قوة عسكريَّةٍ استبدلت الجولان بقنات!

قطع المسربِ الغربي عند نفق نهر الكلب أزعج كثيرًا خواطر الهوانم والسادة الذاهبين لقضاء الليالي المِلاح والأفراح.. ومن ليلتها أطلقَ أبناء التانتات على رجال «القوات اللبنانية» لقب الزعران!

المغوار ميشال حداد كان بين الرجال الذين انطلقوا لنجدة المَعقَل الشمالي، وكانت ليلتها ليلة عيد ميلاده وقد رجته أمه البقاء في بيت العائلة لتفرح عائلته بعيد ميشالها، فوعدها بإطفاء شمعة عيده فور رجوعِه من معركة الشَّرف والفداء!

تحت شجرة زيتون في حفافي قنات أُطفئت الحياة في جسد المغوار ميشال حداد بعد إختراقه بشظية قذيفة أسديّة، فترك دماءه أمانة وذكرى لأرض جبة بشراي وكتفِ قاديشا، وصعد لتلاقيه ملائكة الرب بقالب حلوى العيد عند أبواب ملكوت الأبرار والشهداء!!!

رفاقنا نواب «القوات اللبنانية»

دولة النظام والقانون تُحدِّدُ سقوفَ إنفاق الأموال المرصودة للفوز بالمقعد البرلماني والنمرة الزرقاء… أنتُم وحدكم. نعم أنتم وحدكُم قد صُرِف عليكم رأسمالٍ من أقدس الأقداس.. إنَّ رأسمالكم دماء وأرواح 15 ألف شهيد قد بنوا في كلِّ جسدٍ من أجسادهم وطنًا!!!

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل