سمير الزغريني سجل شرف في قلب الحكيم

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد  1734

لماذا وقبل أن يلقي خطابه المدوي في قداس شهداء المقاومة اللبنانية، وجّه سمير جعجع تحية خاصة «لصديقه» المحامي سمير الزغريني؟! «الأستاذ» كان فارق الحياة قبل أيام قليلة، ولم يتمكن من حضور المناسبة العزيزة على قلبه كما كل عام، وقبل التحية الخاصة المباشرة على الهواء، كان الحكيم خصص صديقه الراحل بتغريدة وداع عبر «تويتر»، فمن هو الرجل الذي كلما سألت عنه يقولون «هيدا رجل قلب وقانون وحق وقضية»؟ من هو الرجل الذي أمضى عمره صامتا يضجّ بالحياة والنضال لأجل «القوات اللبنانية»، لأجل العدالة لكل الناس، لأجل إطلاق سمير جعجع من الإعتقال، لأجل وطن وضع فيه كل خبراته القانونية ليكون وطن العدالة، وخذله الوطن لكن أنصفته الحقيقة وأنصفه رفاقه، وأنصفه صديقه الكبير سمير جعجع. في ذكرى أربعينه نصلّي لروحه، نستذكر نضالاته، ونطرح سؤال العارف: من هو سمير الزغريني يا حكيم؟

«رحل صاحب القلب الكبير والمناضل المخضرم والنقابي والمحامي اللامع سمير الزغريني. رفيقي سمير، إنتقلت ع دنيا الحق من بعد ما كنت الوكيل الدايم عن الحق والحقيقة. نم قرير العين لأنّو القضية حيّة بوجود الأوفيا متلك» كتب له سمير جعجع».

يرحل الناس دائمًا وعندما يرحلون تبتعد ذكراهم عادة، وتذوب يومًا بعد يوم في ضجيج الحياة. الحياة أقوى من الموت وأقوى من أي شيء، لكن ثمة من يموت ولا يرحل، كتار بيفلّوا بس ما بيفلّوا لأن كل شيء يحكي عنهم، عن وجودهم الصاخب بالحياة، بصماتهم لا تمّحى، ملامحهم تبقى عالقة على المطارح والقلوب، فكيف إذا كانوا مناضلين في «القوات اللبنانية».

ليس بالضرورة أن يرتدي النضال البدلة الزيتية، ثمة كثر كثر لبسوا الجينز والكرافات وكانوا في صفوف النضال الأمامية، وبقوا كذلك حتى آخر الأنفاس، هنا سمير الزغريني، هذا هو سمير الزغريني وما كان عليه.

مناضل عتيق مخمّر بالقضية، شرب من كؤوسها هيك على مهل على الهدى، وتعتقت خابيته من خمرة المقاومة وشبابها وصباياها، والأهم بالنسبة إليه أيضا، حكيمها. هادئ صامت، رافق الحكيم في كل الأيام الصعبة، وخصوصًا مرحلة اعتقاله. يوم أخذوه الى المعتقل، سجنوا سميرين، الحكيم في السجن الصغير وهو في السجن الكبير، لكنه لم يستسلم، أكمل النضال مع باقي الرفاق من خارج القضبان لأجل من هم وراءها، ولأجل من أسرهم الحكيم معه ولو كانوا خارج أسوار المعتقل. حمل قضيته مع زملائه المحامين الى داخل قاعة قصر العدل، علّه يحقق العدالة له في زمن الإحتلال السوري، والقمع والإرهاب والجهاز الأمني العميل للإحتلال. رافق ستريدا في كل خطواتها، وكان لها مع باقة الأوفياء، الظلال والسند، في زمن شحّ فيه الأصدقاء والأوفياء. قرر أن يحارب الظلم بالقانون، واللاعدالة بالعدالة، والإحتلال بالمقاومة وكانت مقاومته بإحقاق الحق. وأي حق هذا حين يتحكم رجل أمن عميل للإحتلال بأرض الأرز وناسه ومقاوميه؟

لم يبالِ بالتحذيرات، لم يخف، لم يتردد، حمل إيمانه العميق بقضية «القوات اللبنانية»، وبأحقيته بالأرض والحرية، ولاحق قضية الحكيم الى عمق عمق السجن. أعلن ثورته الكبيرة على الظلم من دون إعلان، كان صمته والعمل الدؤوب هو السلاح. ثار ثورته الكبيرة على العملاء والمحتلين من دون بارودة ولا متراس، كان السلاح الأقوى القانون ثم القانون فالقانون على رغم سطوة حكم الغريب وشريعة الغاب على الأرض والبشر. «كل عمرو يشتغل ع رواق ع السكت من دون ضجيج، همّو الحق، همّو الحكيم بس كان بالإعتقال، همو الشباب ما يتأذّوا، همو إنو ما تسود شريعة الغاب بالبلد» تقول المحامية الرفيقة مايا الزغريني، إبنة الراحل الكبير.

«كان قليل الحكي وتربطو علاقة روحية كتير قوية بالحكيم، هو المحامي اللامع الذي تخرّج من مكتبه عشرات وعشرات المحامين. علّمني الإلتزام حتى النهاية بأي قضية أؤمن بها، فكيف إذا كانت قضية مرتبطة بالوطن والسيادة كقضية القوات» تقول الزغريني، وتروي فصولاً وفصولاً عن صداقته الملهمة بالحكيم وبستريدا التي كانت تعتبره كوالدها تماما، «علّمني البابا الإلتزام الحزبي لأنه هو كان ملتزم والتزامه كان أحياناً كثيرة على حساب مصلحته الشخصية وعلى حساب عمله، لكنه ما كان يكترث ويضل يقلّي «فيكي تضلي تناقشي ليوم النقاش لكن وقت يصدر القرار الحزبي بدك تلتزمي إلتزام مطلق». هو يللي علّمني قيمة حزب «القوات اللبنانية» وقيمة العمل النضالي الحزبي، وهو يللي علّمني قيمة الوفا للقضية وللأشخاص» تقول مايا بتأثر بالغ.

لم يكن يومًا نقيبًا ولكنه كان «النقيب»! من مكتبه تخرّج عشرات وعشرات المحامين، وكان لهم بمثابة الأب والمرشد والمثال الأعلى لرجل القانون الشريف النزيه الصلب الشجاع، ومع ذلك رفض الترشّح لمنصب نقيب المحامين على رغم إلحاح الجميع من حوله «كان مثالي الأعلى في كل شيء، وأحب أن أكون وأن أفعل ما كان يفعله، كنت أريده أن يكون نقيبًا لكنه رفض ويبقى يضلّ يقلّي «أنا مبسوط مطرح ما أنا، مش المنصب لـ بيعملك، إنتِ لـ بتعمليه، فيكي تكوني أهم من كل شي بشخصك وأدائك والتزامك»، ووقت لـ فلّ فهمت عمق هالحكي أكتر وأكتر خصوصًا بعدما لمست إحترام النقابة وتقديرها الكبير لمسيرتو القانونية والإنسانية، وفهمت أنه كان بشخصو أكبر وأهم بكتير من المنصب بحد ذاته» تقول مايا.

رفض أن يكون نقيبا، ورفض كل المناصب الرسمية والحزبية، لكن الحكيم أصرّ على أن يكون في هيئة الشرف في حزب «القوات اللبنانية»، هو الذي كان أنصع واجهة للرجال الشرفاء الأنقياء الشجعان الملتزمين قضايا الأرض والناس والوطن والرفاق كافة. إستلم ملفات دقيقة في الحزب، وبصمت الرجل النبيل كان يعالج تلك الملفات كي لا يشهّر برفيق ضلَ طريقه أو أخطأ في الإختيار، ولما توعكت صحته سلّم الملفات بسرية مطلقة للحكيم، لأن ما عاد بإمكانه القيام بمهامه كما يجب، «آخر خمسة أشهر مرض كتير وتعب، سلّم ملفاتو لمعراب وكان ما حدن يعرف شو في بهالملفات إلا الحكيم، كنت قريبة كتير منو ومنه اكتسبت كل القيم المهنية والحزبية، ولما ترشّحت على عضوية النقابة كانوا يقولولي ما تعتلي هم إنت حاملة إرث بيّك ووالدك مثالنا الأعلى، ونجحت وفرح كثيرًا لنجاحي لأنو اعتبر إنو قيمه المهنية والتزامي الحزبي هني لـ نجحوا» تقول مايا، وتمضي في حمل إرثها الكبير في مهنتها وفي التزامها بقضية «القوات اللبنانية» حتى آخر العمر.

الحزبي الملتزم كان المحامي للناس كلها، دافع عن الحق وليس لحق حزب ولا طائفة ولا جنسية، هوية الحق إعلان الحقيقة الناصعة كما هي ولكل الناس، «هيك كان أستاذ زغريني، محاميًا عادلاً جديًا بشكل كبير، نشاطه في النقابة مميّز، ولم يخلط يومًا العمل الحزبي بالعمل النقابي، مترفّع لأبعد الحدود ومنفتح على الجميع»، يقول المحامي نادي غصن الذي يكن إحترامًا كبيرًا للرجل الكبير ويصفه بـ «صاحب هيبة مغلفة باحترام كبير عند الجميع ومن كل الأحزاب والمكوّنات»، ويروي غصن عنه بأنه كان دائمًا يردد على مسامع زملائه المحامين «أنا بدخولي النقابة أخلع عني ردائي الحزبي». رجل القانون الملتزم بحزبه، كان صوت المظلوم لأي حزب انتمى، عندما يرتدي الثوب الأسود ويقف عند قوس العدالة مدافعًا عن الحقيقة مهما كانت صعبة «غير أنه كان bon papa   للجميع. هو مناضل عتيق واكب المراحل الصعبة بالبلد، صلب قوي شجاع ذكي جدًا في مهنته، صاحب هيبة وحضور قوي جدًا، والكل يحترمه ويحسب لحضوره ألف حساب لأنه كان يرفض أي مساومة أو جدال أو تنازل عن حق، لكن بذات الوقت صاحب قلب كبير حنون كتير، عامل كل من تخرّج من مكتبه بحنان الأب وبقي هيك لآخر الأيام. أنا ومثلي كثر، نحترمه جدًا ونعتبره قدوة في العمل النقابي وفي مهنة المحاماة المقدسّة، وأيضا هو قدوة في التزامه الحزبي» يقول غصن.

هل يرحل الناس بموتهم؟ في «القوات اللبنانية» لا نموت بل نبقى أحياء في القضية، لأن ثمة من يحمل إرث النضال ويرفع المشعل عاليًا صوب السماء. رحل صديق الحكيم الشخصي، وبقي إرثه عالقاً في دفاتر الشرف في نقابة المحامين، وعلى صفحات الإلتزام المشرّف في سجل «القوات اللبنانية» وفي قلب صديقه الكبير سمير جعجع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل