“الصدم” بمواجهة السوريين في جرد العاقورة

تاريخ من تاريخ…

لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.

نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.

في زمن الاحتلال السوري، كانت المناطق المحررة تتعرض للقصف اليومي الذي جلب اليها الشلل الاقتصادي والأمني والمعنوي. لذا كان حتمياً ردّ “القوات اللبنانية” بشكل نوعي على هذه الهمجيّة.

إنه العام 1983، معارك في الجبل وعلى امتداد المنطقة الحرة مع السوريين وحلفائهم، حقبة مريرة من تاريخ لبنان وغيمة سوداء في سماء الحرية والمناطق المحررة.

كانت مجموعة من عناصر “القوات اللبنانية” التي أطلق عليها اسم “الفرقة” حديثة العهد، حيث أنهت تدريباتها النوعية، حين طلبت منها القيادة القيام بمهمة نوعية في جرود العاقورة لوضع حدّ لهمجيّة الجيش السوري على تلك المناطق. كانت المعلومات الاستخباراتية تحذر من أن السوريين ينوون في تلك المحلة، التقدم واحتلال موقع “القوات اللبنانية” في “مقيل الحسني ورأس القدام” قبل تساقط الامطار والثلوج حيث يصبحون على مرمى حجر من بلدة العاقورة.

في منتصف ايلول من العام 1983، توجهت “الفرقة” من قاعدتها إلى جرد العاقورة ووصلت الى المركز المتقدم على الجبهة في محلة “رأس القدام” حيث حطّت رحالها كمجموعة عسكرية عادية، إذ لا أحد في “القوات” يعرف هؤلاء المقاتلين. تواصلت المجموعة مع الوحدة المقاتلة على الجبهة التابعة لثكنة “نجا الخوري” في اللقلوق وأخبرت آمر الفصيلة أنها موجودة للدعم كما طلبت منه أن يأخذها الى مركز الإستطلاع ليعرّفها على مواقع عدو الجيش السوري.

بالتنسيق مع عناصر الإستطلاع تم تحديد المواقع العدوة في “تلة الجامع” و”تل الرام”. وروى آمر الفصيلة بعد ذلك، “ذهلت عند عودتي لاحقاً لأتفقد هذه المجموعة غير المعروفة بالإسم، بعدم وجودها في الموقع المتفق عليه، ولكن عندما صاح بي آمر المجموعة كانت دهشتي بما رأيته من احتراف في التمويه والتخفي، حيث تبيَّن لي أنني كنت واقفاً قربه من دون أن أراه أو أي عنصر آخر من المجموعة. تم تحديد مواقع وحقول الألغام العدوة، حيث وضعت خطة السير عبر التلال والوديان مستعينة بخرائط عسكرية وصور جوية ستريوسكوبية”.

في تمام الساعة 20:49، انطلقت المجموعة بعد أن ثبتت أحد عناصرها مع آمر الفصيلة الموجود على الجبهة وفي نقطة سريّة لا يعرفها سوى آمر الفصيلة الذي قال، “ذهلت عندما رأيت الوحدة تعبر الخطوط الأمامية بمحاذاة الألغام بإتجاه مواقع القوات السورية”. وأضاف، “ذهلت ذهولاً كبيراً عندما رأيت تلك الوحدة التي لا أعرف اسمها أو عناصرها وهم مموّهون جيداً، يحملون أسلحة أراها للمرة الاولى وأنا عسكري قديم منذ الـ1975، فإذا بي كأنني أشاهد فيلماً حربياً مميزاً”.

انطلقت الوحدة بتشكيل خاص بها مع معداتها من أجهزة لاسلكية مشفرة ومناظير ليلية، وسارت عبر خط سير منتقى جيداً ومستطلعاً بشكل وافٍ وفق جدول الملاحة، حيث أن القمر كان غائباً تلك الليلة وهو شيءٌ ممتاز للقيام بعمليات التسلل، وهذا التوقيت هو الذي حدد زمن المهمة حيث يكون ضوء القمر في أدنى درجاته.

ما حدث تلك الليلة على نقطة الهدف في تلة الجامع لا تزال تفاصيله تخضع للسرية العسكرية الخاصة لتلك المرحلة، ولكن ما أستطيع أن أؤكده أن الهدف من تدمير وجلب معلومات حساسة من مركز العدو وردة الفعل العنيفة العشوائية وغير الفعالة، هي بمثابة تأكيد النجاح الكامل للعملية، وهي تعد ضربة نوعية استراتيجية وعلى مستوى عالٍ من الأهمية العسكرية. بعد عملية تلة الجامع تغير الوضع كلياً في منطقة العاقورة والجوار، مما أكد صوابية استراتيجية القيادة في حماية المناطق المحررة، وأصبح العدو يعرف أن هناك يداً تطاله في ظلام الليل وفي الجبال والسهول والبحار “حيث لا يجرؤ الآخرون…”​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل