بين الدستور والترهيب

في وطنِنا، اليوم، وباءٌ خبيثٌ إسمُهُ التّعطيل، هدفُهُ جَلِيٌّ واضحٌ وهو استمرارُ أذنابِ الوصايةِ الجديدةِ بتكبيلِ الناسِ بالخوف، والتّطويع، والقَمع، ولا سيّما أهل السيّادةِ والكرامةِ الوطنيّةِ مِمَّن اختارَهم الشّعبُ وكلاءَ يمثّلونه في النّدوةِ البرلمانيّة. وكأنّ المستَقوينَ يعتبرونَ أنّهم يملكون حقَّ التصرّفِ بالبلاد، وبالعِباد، ويفرضونَ، بالقوّة، ما يريدون، مُهَمِّشينَ الحريّةَ، والقرارَ الوطنيَّ في انتخابِ رئيسٍ للجمهوريّةِ صُنِعَ في لبنان.

بالأمس، كان للبطريركِ الرّاعي هَزّةٌ لجرسِ الإنذارِ، داعِياً الى تفتيقِ أقبيةِ القَبولِ بالتّرهيب، فلا جوازَ لمتابعةِ جولاتِ التّعطيلِ في المجلسِ النيابيّ، في نَهجٍ إجراميٍّ لفَرضِ رئيسٍ مِطواعٍ هزيل، يتلطّى خلفَ وَهمِ الممانعةِ السّخيفةِ التي فقدَت مصداقيّتَها، وينفّذُ، باستعادةٍ ممجوجةٍ لِمَنْ كان قبلَه، أوامرَ الإستعمارِ البائدِ، وفي ذلك مؤشِّرٌ كبيرُ الخطورةِ يهدِّدُ الدّستور، ويقوِّضُ قاعدةَ الحريّةِ بالإنتخاب، ويهمِّشُ طائفةً تُثبِتُ تاريخيّتُها جرأةَ الإنجازاتِ التي وَطَّدَت كيانَ الوطنِ، ودفعَت به الى مَصافِ الحضارةِ والرقيّ.

إنّ أسوأَ الأَدواءِ، اليوم، هو فَرضُ قانونِ ” الأمر للأقوى “، ما يُخضعُ الوطنَ لمنظومةٍ بَشِعةٍ تسعى لنَحرِ الدّستور، ولِسَنِّ شرعةِ قايينَ بطقوسِها الستالينيّةِ، من همجيّةٍ، وترسيخٍ لثقافةِ السّكاكين. وما ذلك سوى مُفَخَّخاتٍ آثِمةٍ مُذَيَّلةٍ بتوقيعٍ باتَ معروفاً، وهي خطّةٌ تودي بالحريّةِ، وتغتالُ القرارَ الجريء، وتُصَفّي صوتَ السيادةِ، وتشوِّهُ هويّةَ لبنان. أمّا الآمِرُ الذي جعلَ الوطنَ قبراً مفتوحاً، فليسَ إلّا سفّاحاً عُنفِيّاً تراكمَت ضحاياهُ منذُ جَثَمَ على جبينِ البلاد، وآخرُ إنجازاتِهِ تصفيةُ حقِّ مُمَثِّلي النّاس من انتخابِ رئيسٍ للجمهوريّةِ، ما يعني إجهاضَ الأملِ بأن يُحدِثَ الإنتخابُ الحرُّ فجوةً في الأزمةِ القاتلةِ التي كانت المنظومةُ المحكومةُ بالعُملاءِ البَلدِيّين، في أساسِ توليدِها لتدميرِ البلدَ.

إنّ غرفةَ العمليّاتِ في دويلةِ الغاب، تلجأُ، كما في كلِّ مرًّة، الى التّرهيبِ العنيفِ، في الخُطَبِ، والتّصريحات، ورفعِ اليَدِ تلويحاً بالتّهديدِ بفِتنةٍ تطحنُ الوطن… ليبتلعَ أصحابُ القرارِ الإنتخابيّ، خاصةً، رسالةً تَقضي بِكَمِّ أفواهِهم، وبمتابعةِ مرافقتِهم رُفاتَ الدّستورِ الى المقابر، وبطأطأةِ رؤوسِهم أمامَ وكرِ الشيطان. والمُؤسفُ أنّ هؤلاءِ الطّارئينَ المُتَلَطّين خلفَ آلةِ الموت، يجاهرونَ، وبأعلى الصّوت، بعبارةِ ” نقطة عالسّطر “، مُلزِمينَ الغيرَ بالسّكوت، وبالطّاعة، وقد استطاعوا، بنَهجِهم الإرهابيّ، تدجينَ بعضِ التّغييريّينَ بتَجميدِ عناوينِهم التي، على أساسِها، اقترعَ لهم الناسُ الذين وجدوا فيهم مظهرَ التّعافي، وبلسمَ الشّفاءِ من داءِ الفسادِ الذي استبدَّ بالبلادِ، وأرهقَ أهلَها بالفقرِ، والهجرة، والعَوَز، والإفلاس، وفقدانِ الأملِ بالمستقبل.

وبالعودةِ الى عظةِ البطريرك الرّاعي الذي خَلُصَ الى أنّ الهدفَ من تعطيلِ انتخابِ رئيسٍ للجمهوريّة، هو الإبقاءُ على مركزِ الرئاساتِ خالياً من المسيحيِّ المارونيّ الذي يرئِسُ الوطنَ والدولة، وفي ذلك انقلابٌ سافرٌ يستقصدُ إقصاءَ الدَّورِ المسيحيِّ في قيادةِ البلاد، وإِحكامٌ لقبضةِ غيرِهم، أيّاً يَكُنْ هذا الغير، على مراكزِ المسؤوليّةِ في الدولة، برُمَّتِها، لا سيّما مراكز القرار.

إنّ البكاءَ ليس حَلّاً، وليس مسموحاً، كذلك، ترويضُ ترانيمِ الكرامةِ والحريّةِ بالنَّدب. فالمسيحيّونَ في لبنان، متجذِّرون في الأرض، تمسَّكوا بهويّةٍ وطنيّةٍ بالرَّغمِ من التحدّياتِ المتعاقِبةِ التي رَمَت الى تذويبِهم، وقد قادوا دَوراً حضاريّاً مِحوريّاً ساهمَ في صياغةِ وطنٍ راقٍ، في أوقيانوسِ أنظمةٍ استبداديّةٍ رفضَتِ الحريّةَ لشعوبِها. إنّ المسيحيّين، في لبنان، أسّسوا لكيانٍ سياسيٍّ مستقلٍّ، لم يفتتحوه مسيحيّاً فحسب، بقَدرِ ما صاغوهُ نموذجاً رائداً لعَيشٍ فريدٍ يُسقِطُ النماذجَ العنصريّةَ والأَحاديّةَ العِرق، وهذا يُثبِتُ، بدونِ أيِّ شكّ، أنّ المسيحيّينَ ليسوا إنعزاليّين، ومُتَقَوقِعينَ مَذهبيّاً، كما حاولَ العملاءُ وناسِجو المؤامراتِ ترويجَه، زُوراً. إنّ المسيحيّين، ولا سيّما الموارنة منهم، أنشأوا لبنانَ وطناً ديمقراطيّاً يكفلُ الحريّاتِ والحقوقَ للجميع، وافتَدَوه، عنهم وعن سواهم، بشلّالٍ من الشّهداءِ ليبقى للكرامةِ الإنسانيّةِ، في هذا الشّرق، مَوطِئ.

لقد آمنَ المسيحيّونَ بالنّسيجِ الإنسانيِّ الجامِعِ للفوارقِ المذهبيّةِ التي اعتبروها قيمةً مُضافة، لا سبباً للإحترابِ والصِّراعات، ما شكَّلَ التركيبةَ المُعجِزةَ للبنانَ على مَرِّ العُقود، والتي حضَّرَت لنهضةٍ مَتَّنَتِ فرصةَ العيشِ الأَهليِّ الجامع، وإمكانيّةَ التّشارُكِ في الوطنِ والمصير. ومعنى ذلك، أنّ المسيحيّينَ لم يعطِّلوا التّوازنَ بالتّمثيلِ والمسؤولية، ولم يتبنَّوا نظرةً دونيّةً لغيرِهم من الطّوائف، مؤمِنينَ بسُنَّةِ العلاقةِ بين المواطنِ والمواطنِ، حفاظاً على حقِّ كرامتِهِ الإنسانيّة. فلماذا، إذاً، العودةُ الى أزمنةِ الظلام، والى الأداءِ الإقصائيِّ المُعَمِّقِ لهُوّةِ القلق، ولماذا رحلةُ قتلِ الوطنِ بتَعطيلٍ مُغرِضٍ لانتخابِ رئيسٍ للبلاد ؟؟؟

لن يجرَّنا التَّخويفُ الى مبايعةِ أهدافٍ دخيلة، ولن نكونَ جماهيرَ طَيِّعةً مغلوبةً لِأُبُوّةٍ جديدةٍ مُتَنَطِّحَةٍ الى السّلطةِ، تُجاهرُ، بالشّكل، بالمصالحةِ والوِفاقِ والمشاركة، وتعملُ، بالفعل، على تقويةِ العصاباتِ، وعلى تدميرٍ نَمَطيٍّ تدريجيٍّ لمؤسّساتِ الدولة، لفَرضِ واقعٍ هجينٍ مرفوضٍ يحوِّلُ التّرهيبَ من ظاهرةٍ الى نظام. ولن نكرِّرَ تجربةً بائسةً عنوانُها ” ليس لديكم من خيار “، التي جعلوها سلعةً للمراباةِ الرخيصة، فإمّا الفراغُ الذي يُقصي المسيحيَّ عن مشاركةِ سواهُ في قيادةِ الدولة، وهو فراغٌ يطولُ وأَدنى نتائجِهِ الكوارث، وإمّا القَبولُ القَسريُّ بانتخابِ مُدَجَّنٍ مقاوماتيٍّ يُخَندِقُ لبنانَ في محورِ الموتِ والنّيوفاشيّةِ الممقوتة، ما يغرزُ مزيداً من التشظّي في جسمِ الوطنِ ويجعلُ من كيانِهِ مسكناً مريحاً للشيطان.

مع البطريرك الرّاعي، نقولُ ” لا “، رافِضين أن نكونَ في وضعٍ مُوَدِّعٍ لنموذجٍ دستوريٍّ يؤكِّدُ حقَّنا، ولَو فتحَ التّرهيبُ أَلفَ فُوَّهَةٍ لتضييعِ هذا الحقّ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل