شهداء… ولكن

أنا يوسف لحود الخوري جعجع. أعمل رئيس ورشة لتصليح الخطوط في شركة كهرباء قاديشا. بحكم عملي كنت أتجول في منطقة بشري وصولاً إلى طرابلس حيث مركز الشركة في البحصاص، وانطلاقاً مما تقدم، بات لديّ مجموعة كبيرة من الأصدقاء والمحبين أتردد عليهم ويتردّدون عليّ من حينٍ الى آخر.

في صيف العام 1977، كانت بشري تكشح عنها غبار المعركة التي جرت في بلّا، وتلملم أحزانها من خلال استقبال جرحاها وشهدائها. تجمّع الأهالي والمحبين والأصدقاء في ساحة السّيدة لاستقبال الشهيدين إيلي وإدمون مصلح سكر، وهما “أولاد عم”. عند وصولهما محمولَيْن على الأكفّ، لعلع الرصاص بغزارة ونُثرت الورود مع الأرُز الأبيض، وساد جو حزين ثقيل كثقل القبور.

كانت الوفود القادمة للتعزية من المنطقة تملأ الساحات والشوارع، كيف لا، والشهيدان من خيرة شباب بشري؟

بعد أيام عدة، اتصلت بي شقيقتي القاطنة في طرابلس، طالبة رؤيتي بسرعة، لأن “الخبر” لا يُقال على الهاتف (المراقب آنذاك). قصدتها على عجلة في منزلها، صباح اليوم التالي، قالت: “يا أخي الخبر مهم والتلفونات مراقبة. باختصار ومن خلال بعض الجيران الذين يتعاطون مع السوريين، علمت بأن جثتيّ الشهيدين التي وصلت إليكم مؤخراً، ليست لإبنيّ بشري بل لغريبين، ولتأكيد هذا الخبر ما عليكم سوى فتح النعشين بسرعة تامة قبل أن ينتشر الخبر”.

كان تفكيري كله منصباً على كيفية معالجة هذا الأمر، وما إذا كان صحيحاً، وفور وصولي إلى بشري اتجهت إلى منزل الشهيدين، وأطلعت أهلهم على الأمر. سكنتهم الدهشة، ثم الأمل والفرح، علّ وعسى يكون استشهاد ابنيهما غير صحيح. ولتبيان الحقيقة علينا أن نفتش عنها ولو من داخل القبور.

عندما خيّم الظلام بدأنا العمل كما اتفقنا، أنا وشقيق أحد الشهيدين وكاهن الرعية. فتحنا باب المقبرة، وعلى ضوء القنديل الباهت فتحنا النعش الأول، “يا إلهي”… الجثة في الداخل ليست لأحد الشهيدين، رأسٌ كبيرٌ أصلع، وشعر كثيف في الصدر. خفقت قلوبنا بسرعة، ونظرنا إلى الكاهن الذي قال: “حتى لو كانا من خارج بشري علينا أن نبقيهما داخل القبر. هذه عادة المسيحيين في احترام الميت”.

فتحنا النعش الثاني، رجل خمسيني بثياب عسكرية ذو لحية طويلة. أعدنا كل شيء إلى مكانه وأسرعنا نحمل الخبر إلى الأهل. بدأ الناس بالتجمع داخل المنزل وعلى الطريق، لمعرفة ماذا يجري وما جرى. النساء والأمهات ملهوفات. وبصوتٍ واحدٍ: “شو يا بونا طمنا؟”

أجاب الكاهن بهدوء: “من هم في القبر ليسوا أبناءكم”.

وبدأت عملية البحث عن الأبناء.

هل هم شهداء؟

هل هم أسرى؟

هل هم مخطوفون؟

جاءتنا أجوبة كثيرة، وكلها لا تحمل من الحقيقة شيئاً. ولا يزال الأهل يعيشون على أمل رجوع أبنائهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل