
اكتسبت زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى الفاتيكان، التي بدأها يوم الجمعة الماضي وتستمر لمدة أسبوع، أهمية كبرى، خاصة وأنها جاءت في وقت يمرّ فيه لبنان بأزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة يضاف إليها الشغور الرئاسي، مع ما يعوّله اللبنانيون على دور الفاتيكان الديبلوماسي لحث الدول الكبرى وأهمها فرنسا والولايات المتحدة للعب دور مساعد لحلحلة كل هذه الأزمات المتراكمة.
وأطلق البطريرك الراعي من روما، سلسلة مواقف أخذت حيّزاً مهمّاً من الاهتمام المحلي وتصدّرت عناوين الصحف لجهة حديثه عن جلسات انتخاب رئيس للجمهورية. واليوم بعد فشل الجلسة الثامنة، لا بدّ من التذكير بما قاله الراعي، إنه “بقطع النظر عن العرف القائل بوجوب نصاب ثلثي أعضاء مجلس النواب في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، يجب ألا ننسى المبدأ القانوني القائل: “ان لا عرف مضادا للدستور”. الدستور بمادته 49 عن انتخاب الرئيس بثلثي الأصوات في الدورة الأولى، وفي الدورة التالية وما يليها بالأغلبية المطلقة (نصف زائدا واحدا). فلماذا إقفال الدورة الأولى بعد كل اقتراع وتعطيل النصاب في الدورة التالية خلافا للمادة 55 من النظام الداخلي للمجلس؟… اذهبوا وانتخبوا رئيساً قادراً بعد انتخابه على أن يجمع اللبنانيين حوله وحول مشروع الدولة… ما الذي يمنع انتخابه اليوم؟”.
وتؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة لـ”المركزية” أن مواقف الراعي مبدئية تدعو الى انتخاب رئيس للجمهورية بدل المراوحة والتعطيل وهو موقف أتخذه البطريرك مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس، حتى قبل بدء الشغور الرئاسي في 31 تشرين الأول، حيث شدد في عظاته على انتخاب رئيس في أسرع وقت.
وترى ان الراعي لم يتحدث عن الثلثين بل توجه الى مجلس النواب ولم يتطرق الى النصاب كما فسرها كل من جهته، بل قال بأنه يجب استكمال الانتخاب في دورة ثانية، بدل تعطيل النصاب بعد الجلسة الأولى. صحيح أنه في المرة الأخيرة أسهب في الشرح وتحدث بالتفاصيل ولكن موقفه مبدئي وواحد ولم يتغير منذ ما قبل الشغور حتى.
وتقول المصادر، إن زيارة الراعي إلى الفاتيكان، ذات بعدين: الأول كنسي رعوي، والثاني لبحث الأزمة التي يمرّ بها لبنان. وفي لقائه مع كبار المسؤولين، عرض الراعي لمشكلة لبنان، ولقي اهتماما كبيرا من قبل الكرسي الرسولي يفوق حتى الاهتمام التقليدي. إلا ان المصادر نفت ان يكون الراعي قد تسلّم مذكرة من البابا يحملها معه الى المسؤولين اللبنانيين.
وتضيف، صحيح أن الفاتيكان يهتم دائما ويدعم لبنان، لكن اليوم موضوع الشغور الرئاسي يشغل باله كما يشغل بال العديد من الدول. علماً ان الفاتيكان لا يدخل في تفاصيل الأمور، بل يعمل بصمت، وهناك حرص وقلق على الوضع اللبناني، ويتابع من خلال اتصالاته مع كافة الأطراف المعنية بالشأن اللبناني ومنهم فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية وغيرها، الموضوع بشكل جدي.
وتعتبر المصادر ان، بغض النظر عن انشغال العالم بحرب أوكرانيا او بالأزمات الاقتصادية إلا ان الاهتمام بلبنان أساسي ويبقى على جدول الأعمال. ومن هذا المنطلق، حصلت لقاءات منذ فترة بين وزير خارجية الفاتيكان وعدد من سفراء الدول المعنيين بالشأن اللبناني وتركز البحث حول لبنان وإرسال رسالة الى الدول والمسؤولين فيها ان الفاتيكان مهتم وان لبنان أولوية ولو كان هناك حرب في أوكرانيا وازمات في العالم.
وتؤكد أن الفاتيكان يعمل على دعم لبنان بكافة الوسائل واليوم بشكل مكثف أكثر، لكن مفاتيح الحلول للوضع اللبناني ليست كلها من الخارج. المجتمع الدولي لم ينفك منذ ثلاث سنوات يطالب لبنان القيام بإصلاحات ومكافحة الفساد، وهذه أمور لا علاقة لأي دولة في العالم بها بل هي ذات طابع محلي بحت. هناك أمور يجب ان يأخذ لبنان المبادرة فيها من دون المماطلة غير انتخاب الرئيس كالإصلاحات. قد يختلف اللبنانيون حول النصاب والتوازنات في موضوع انتخاب الرئيس، ولكن ماذا عن الإصلاحات؟
وعن خوف الفاتيكان على المسيحيين، تشير المصادر الى ان اهتمام الفاتيكان يتركز على المسيحيين ولكن أيضاً على وضع البلد ككل، مسيحيين ومسلمين وموضوع العيش المشترك والحريات ويهتم بكل الأطراف والفئات وليس بفئة او طائفة دون الأخرى.