

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1735
أجراس الإستقلال منذ تاريخه خفوت، صمت، إضطراب
… متى تُقرَع لمرّة ثالثة وأخيرة؟
لو كان لبنان مستقلاً إستقلالاً ناجزاً، لما كان يعاني ما يعاني اليوم على مختلف الصعد. على أن الإستقلال لا ينفي تعرّض الدولة لأزمات متنوّعة وحادة أحياناً، لكن مسؤولية حل هذه الأزمات تقع حصرًا على عاتق شعبها، الذي له أن يحسم الخيارات ويحدد المسارات من دون إنتظار الخارج.
لبنان كدولة نال استقلاله رسميًا في 22 تشرين الثاني 1943، لكنه كوطن يواجه اليوم في ظل وصاية السلاح وما يعتبره كثيرون إحتلالاً إيرانياً ولو بالواسطة، حالة لا تختلف عن حالات سابقة لما قبل الدولة الحديثة، أي حالات الإحتلال العثماني المباشر أو غير المباشر كما في عهد المتصرفية، فضلاً عن حالات الإستقلال الذاتي المحدود أو الواسع في عهد الإمارة، وصولاً إلى عهد الإنتداب.
المفارقة أن اللبنانيين يحتفلون بذكرى الإستقلال رسميًا في الثاني والعشرين من تشرين الثاني، ويحتفل البعض منهم وطنيًا، ولو بشكل خجول، بذكرى الإستقلال الثاني في كل رابع عشر من آذار، وقد ظن كثيرون أنهم احتفلوا باستقلال ثالث في 17 تشرين الأول 2019، وها هم يتطلعون اليوم إلى استقلال ثالث فعلي ونهائي على قاعدة «الثالتة ثابتة».
على أن الإستقلال الناجز هو الإستقلال السياسي الكامل والإستقلال الاقتصادي الكامل، والإستقلال المالي الكامل، بمعنى خضوع قرار الدولة لإرادة الشعب الحرة حتى ولو تمثلت بتنازلات موقتة ومحددة اقتصاديًا وماليًا لمواجهة أزمات معينة.
لقد قرع اللبنانيون أجراس الإستقلال منذ تسعة وسبعين عامًا، لكن هذه الأجراس منذ تاريخه بين خفوت وصمت واضطراب، وهي حالة نادرة لدى الأمم، فكم بالحري بالنسبة لوطن ننسب جذوره إلى آلاف عدة من الأعوام ونعتبره رائد النهضة في ديار العرب والمشرق.
وهذا يعني أن مشكلة لبنان كوطن حر ودولة مستقلة تكمن في نفوس أبنائه وليس في نصوص مكتوبة. فالإستقلال قبل أن يكون واقعًا دستوريًا وقانونيًا ورسميًا، هو حالة ذهنية وفكرية ومعنوية تعيشها أمة ما حتى ولو كانت تخضع دولتها أو أرضها لاحتلال ما. وما يزيد من تفاقم مشكلتنا هو الخلاف على توصيف الإستقلال وشروطه، وكأنه مسألة تقبل الإستنساب والجدل. ولذلك لا يمكن أن يستمر اللبنانيون يتوزعون فئات لكل منها جرسها الخاص تقرعه لرؤيتها الخاصة للإستقلال، فالمطلوب أن يلتقي اللبنانيون على قرع جرس واحد للإستقلال، يبدأ بإعلان توحّدهم على جوهر الكيان وسيادة الدولة، ويمر بإعلان إصرارهم على استعادة إستقلالهم عن كل قوة خارجية، وينتهي بإعلان الإستقلال الناجز، لتبقى حلول مختلف القضايا والأزمات شأنًا داخليًا سياديًا بحتاً يفصل فيه الشعب اللبناني بحريته الكاملة.
صحيح أن بريطانيا هي الدولة الوحيدة التي لا تحتفل بعيد الإستقلال وليس لديها عيد وطني، لأنها لم تخضع في تاريخها لأي إحتلال، لكن الصحيح أيضًا أن النموذج الأول للإستقلال السياسي والقانوني بمعناه الحديث والصريح، كان الإستقلال الأميركي عن بريطانيا في العام 1776، والذي سبق الثورة الفرنسية في العام 1789 وهي تُعتبر أم الثورات الحديثة. والمفارقة أن الإستقلال الأميركي الذي كلّل الثورة على التاج البريطاني، كان دافعًا أساسيًا لاندلاع الثورة الفرنسية على التاج الفرنسي الذي كان يكلل رأس الملك لويس السادس عشر. وحينها دعم الفرنسيون الأميركيين في ثورتهم على الخصم المشترك المتمثل بالإنكليز، ليدعم الأميركيون أقلّه معنويًا الفرنسيين بعد حين في ثورتهم على النظام الملكي.
ولبنان في مسيرته الإستقلالية عن فرنسا، تلقى دعم البريطانيين وبنسبة معينة دعم الأميركيين، على الرغم من أن الدول الغربية الثلاث كانت ضمن الحلف المناهض للنازية. لكن اللبنانيين لم يعرفوا صون استقلالهم وحتى صيانته، وبدلاً من أن يكون تنوّعهم مبعث غنى وقوة، تحوّل إلى حالة ضعف وتباين، ما سمح للتدخلات الخارجية على أنواعها بالهيمنة بنسبة أو بأخرى على القرارالوطني بحسب المراحل وحدّة الأزمات.
وقيل الكثير في دعم الإنكليز لكميل شمعون للوصول إلى الرئاسة، وفي دعم الأميركيين له في مواجهة ثورة 1958 التي كان يدعمها بدورها رئيس الجمهورية العربية المتحدة التي جمعت مصر وسوريا برئاسة جمال عبد الناصر.
على أن الاستقلال استمر حالة غالبة لا سيما في ظل حس وطني بالحد الأدنى تمتع به رجالات ما قبل الحرب، لا بل إن الحرب بحد ذاتها لم تنل كليًا من ذاك الحس لدى معظم الطبقة السياسية التي تعود جذورها إلى ما عُرف بالمارونية السياسية. فالعقدة الأبرز تمثلت بمفاعيل العامل الفلسطيني المسلّح، والذي أتى إتفاق القاهرة ليكرّسه رسميًا، فتصدَّع الإستقلال تدريجًا يوم ارتضى بعض اللبنانيين الإعتماد على البندقية الفلسطينية للإنقلاب على النظام.
لكن الإستقلال لم يسقط كليًا في ضوء تبلور مقاومة لبنانية تصدت لمحاولة جعل لبنان وطناً بديلاً، كما اعترف بذلك صراحة ياسر عرفات، فيما تغيّرت الهيمنة لاحقاً من هيمنة فلسطينية إلى هيمنة سورية، لم تمنع إستمرار السيطرة الفلسطينية المباشرة على الجنوب، فمثّل الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982 إضافة أخرى لمعاناة الإستقلال اللبناني، لكنه وللمفارقة فتح الباب أمام التخلّص من الإحتلالات الثلاثة مع بشير الجميل الذي رفع شعار ال10452 كيلومترًا مربعًا دلالة على إرادة إستعادة الإستقلال الناجز على الأراضي اللبنانية كاملة.
ولم يمثل الطائف إلا فرصة أخرى لاستعادة الإستقلال ولو على مراحل، ولأن الإستقلال يبدأ من إرادة الشعب كحالة سيادية وجدانية، فقد تولى الخارج تدجين هذه الإرادة، فتناسى المجتمع الدولي إلتزاماته وترك للوصاية السورية أن تتحكم وتحكم، في استغلال رخيص لرغبة اللبنانيين في نسيان آلام الحرب، مع الوعود بالنهوض الإعماري والاقتصادي، الأمر الذي قمع بشكل أو بآخر النزعة الإستقلالية أو احتواها وفق منطق الصفقات لدى العديد من اللبنانيين، باستثناء قلّة رفضت للوصاية وفرضَ قانون انتخاب قسري ومناف للديموقراطية والمساواة وصحة التمثيل في العام 1992 وصولاً إلى تبلور الدور القيادي والريادي لـ»القوات اللبنانية»، فكان ما كان من حل للحزب واعتقال وقمع وتنكيل حتى نضوج ثورة الأرز رفضًا للتمادي في الهيمنة والإغتيالات وإلغاء الصوت الإعتراضي الذي كان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير خير ممثل له منذ نداء المطارنة في أيلول ال2000، فاستحق لقب بطريرك الإستقلال الثاني.
اليوم يواجه لبنان التحدي الأكبرلاستقلاله، لأن التهديد بلغ جوهر الكيان والميثاق وتجاوز حد الدولة والمؤسسات، وإذا كانت ثورة 17 تشرين فشلت فشلاً ذريعًا نتيجة سقوط مصادريها وراكبي موجتها في المزايدات الفارغة على خلفية «كلن يعني كلن»، فإن عددًا ممن من وصل باسمها الى المجلس النيابي يساهم عن وعي أو عن قصر نظر في تقويض فرصة استعادة الإستقلال والسيادة تدريجًا عبر رفض انتخاب مرشح سيادي يحظى بتأييد أكثر من ثلثي نواب المعارضة، فهل يسمعون صوت جرس الإنذار في نفوسهم وفي معاناة اللبنانيين، كي نسمع ولو من بعيد أجراس العودة تُقرَع، عودة لبنان إلى ذاته.
في الثامن من تموز 1776 قُرع جرس الحرية قي قبة مقر ولاية بنسلفانيا الحرة في مدينة فيلادلفيا الأميركية، ليبشر الأميركيين بإعلان الإستقلال عن بريطانيا، وما زال هذا الجرس معروضًا في ما يعرف بال Independence hall فمتى يُقرَع جرس استقلالنا لمرة أخيرة؟
أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]