“المسيرة” وهمُّ الحرية

حجم الخط


كتب أنطوان نجم في “المسيرة” – العدد 1735

عايشتُ “المسيرة” من إنطلاقتها في كانون الثاني 1983. ومنذ ذلك التاريخ، لم تفتني قراءة أي عدد منها، وأظنني الوحيد من “يدرس” بدقة صفحاتها و”يتفحصها” بالمجهر.

أحسست دومًا أنني جزء منها، وهي جزء مني. عبّرتْ وتعبّر عن وجداني الإلتزامي وتطلعاتي. رأيتُ فيها، ولا أزال، تجسيدًا لهذا الأرق المستمر على مستقبل قيمة الإنسان وكرامته وحريته في هذه المنطقة من العالم.

يعجز قارئ “المسيرة”، شخصًا عاديًا أم ملتزمًا أم باحثًا، عن فهمها في كنهها وعمق أعماقها إذا لم يشعر بها في قرارة نفسه “رسولة” تحمل في قلبها الكبير “همَّ الحرية”.

تلك هي “المسيرة” في جوهر وجودها، لذا استمرت رغم العوائق والصعوبات، على أنواعها وأشكالها. وقد بلغ حرصها على الحرية، مبدأ وممارسة، أن حربًا ضروسًا شُنّت عليها بسببها…

مرّت “المسيرة” في عهدين: الأول، من كانون الثاني 1983 – كان عددها الأول مطبوعًا على الستانسل – وحتى آذار 1985. وكانت تصدر وفي أعلى يسار الغلاف عبارة الرئيس الشيخ بشير الجميل الشهيرة: “أتيتُ لأطلب منكم أن تقولوا الحقيقة مهما كانت صعبة”. وقد حافظت “المسيرة” على هذا الشعار في قلبها وفي كل صفحة من صفحاتها طوال حياتها التي أتمناها مديدة. والثاني، من 2 تشرين الثاني 1985 وحتى اليوم.

تتابعت ثلاث مراحل في عهدها الثاني: الأولى، من 2 تشرين الثاني 1985 حتى 11 كانون الثاني 1986. والثانية، من 18 كانون الثاني 1986 وحتی 18 نیسان 1994. والثالثة، من 2 أيار 1994 وحتى كتابة هذه السطور.

من رافق “المسيرة” مثلي وشاركها معاناتها وبعض معاركها حق له أن يشهد لها. وسأوثرُ شهادتي، هنا، على “همِّ الحرية” وأقتصرُ عليه من غير أن أنسى همومها الأخرى العديدة، أي تلك التي يحياها أبناء مجتمعنا المسيحي. فهمومها كانت ولا تزال هموم مجتمعها. فقد رافقتها في جهادها كما ترافق نبضاتُ القلب حياة الإنسان.

•••

فور زوال خطر الإتفاق الثلاثي بانهياره، عادت “المسيرة”، تؤكد عهدها بأن تعمل:

“من أجل أن يبقى الكيان اللبناني السياسي التاريخي الضامن لحريتنا، وأن تبقى التعددية المجتمعية ميزتنا”….

“من أجل أن تبقى الديموقراطية ميزة وجودنا المسيحي في هذا الوطن وهذا الشرق، وأن تبقى الحرية الكيانية قدس الأقداس، وأن تكون حرية الرأي والفكر والمعتقد واقعًا وممارسة نتفرّد بها ونعتز”….

“من أجل… عدم إستئثار القيادات غير المسؤولة بتقرير المصير، وعدم تملّك القائد قيادته بالوراثة أو بالدولار أو بالقمع والترهيب فيتعلّق به مجتمع بأكمله ويتبعه من غير أن يدرك، في الخطأ كما في الصواب”…

“من أجل أن تتأمن حرية العمل السياسي وتتعدد الطروحات والحلول السياسية، وترتفع أصوات المعارضة الديموقراطية والموالاة المنطقية، وتقول الحقيقة أيًا كان ثمنها ومهما كانت صعبة، من أجل أن نعارض بعضنا بالكلمة فقط، ونقاوم العدو فقط بالبندقية”…

وإذا ما حصرتُ في الأسطر التالية “همَّ الحرية” في موضوعات معيّنة محددة فلاضطراري إلى تقديم عيّنات فحسب، وهي مستقاة من مجمل ما جاء في “المسيرة”، صراحة وضمنا.

1. التحرّر من عقدة الشعور الأقلّوي

سبّبت عقدة الشعور الأقلّوي عند بعض المسيحيين حسًا بالضعف قاتلاً. فولّد عندهم ميلاً إلى مسايرة رأي “الأكثرية” وتبنّي توجّهاتها، وإن على أنقاض إقتناعاتهم وحريات المسيحيين وحقوقهم الأولية. فلم تألُ “المسيرة” جهدًا في محاربة هذه العقدة والتخلّص منها وإقامة حواجز يقظة وصلابة بديلاً منها. فنجحت، ولو إلى حدٍّ، في كسر قيود وتحرير إرادات وتوجيهها في الإتجاه الحقيقي. واعتبرت أن التحرّر من عقدة الشعور الأقلّوي يتم بتربية صحيحة على مستويات عديدة، قائمة على مبدأ الحق بالوجود الحرّ المتساوي لفئات الناس جميعًا، أيًا كان عددهم وشأنهم. تربية تتولاها، في الحقل المسيحي، كنيسة ومدرسة وبيت وحزب ونادٍ وإعلام بنّاء… تربية تخلق ثقة بالذات وإرادة في الحفاظ على الذات.

2. الوقوف في وجه الهجمة المنظّمة

على قتل الحرية

إستغلت هذه الهجمة الحرية في لبنان لتنفذ عبرها وتغذّي قدرتها على إزالة معالم الحرية فيه. كانت الحرية، ولا تزال، تقضّ مضاجع النظم الديكتاتورية المحيطة. ذلك أن الحرية في لبنان حُكْمٌ على الديكتاتوريين، ومرآةٌ تنعكس عليها بشاعاتهم وظلامية تصرّفاتهم. كما أن بقاء الحرية في لبنان – مجرّد بقائها- تحريض للذين يعيشون تحت نير الديكتاتورية، وحضٌّ لهم على التخلّص منها. فلا يسع الديكتاتورية، والحال هذه، أن تقبل أن تحاورها الحرية. فهما نقيضان. والحرية نقيض انتصر، وينتصر دومًا في نهاية الأمر. وما إنهيار الديكتاتوريات في العالم، الواحدة تلو الأخرى، إلا دليل ساطع على النصر الآتي ولا ريب. ولا بدّ للشركاء في الحرية، أينما كانوا، من أن يتضامنوا لاجتثاث آفة الديكتاتورية من الوجود. و لطالما دفع هذا الموضوع “المسيرة” إلى إطلاق المواجهة والمقاومة على نحو دائم.

3 .  إعلان الحرب على التوتاليتاريات

فهمت “المسيرة” باكرًا أن الإيديولوجيات التوتاليتارية تبرّر الديكتاتوريات على أنواعها وتحاول أن تعطيها شرعية، ممهِّدة لها بتأويلات واجتهادات مغلوطة، ظاهرها القشري منطقي وحقيقتها الداخلية سفسطائية.

على هذا الأساس، واجهت “المسيرة” ثلاثة مفاهيم توتاليتارية: القومية والطبقية والتيوقراطية.

والوتاليتارية هي، أصلا، مذهب كامل في الحياة والوجود يطال الإنسان برمّته، ويأبى، بالتالي، أن يترك فيه زاوية لا يقول فيها كلمة فصلاً. وتمنع التوتاليتارية أي نظرية لا تقرّها من التدخل لتوجيه الناس أو للتعبير عن وجدانهم. وفي كل الأحوال، ومن غير استثناء على الإطلاق، تقود التوتاليتارية، حكمًا وحتمًا، إلى نظام ديكتاتوري والى اللامساواة بين الناس.

4 . حرية الثقافة والتربية

وقفت “المسيرة” في وجه المحاولات الهادفة إلى قتل التنوّع الثقافي في لبنان وإضعاف اللغات الأجنبية التي هي مطلاتنا على الحضارة والتفاعل الإنسانيين، وذلك إستكمالاً لما كان دومًا تقليدًا مسيحيًا متجذرًا في مجتمعنا.

إن يوم يُغلق على المواطن ضمن أطر ثقافية محددة، تُقطع عنه مجاري الفكر، فيضعف ويهزل، فيسهل حكمه والتحكّم به. وقد عرف المستغلّون كيف يجيّرون الممارسة الديموقراطية لصالح السيطرة على المسيحيين والتدمير المادي لمظاهر عمرانهم ولكل ما يعبّر عن ركائز تعلّقهم بالحرية.

في “القولبة التربوية” سعيٌ حثيث لقطع العلائق الروحية والحياتية بين المسيحيين والغرب، فيُحال بينهم وبين روافد فكرية وروحية وحضارية غنية. وهكذا، في ظن العاملين للقولبة التربوية، تكُمّ السيطرة أفواه المسيحيين فتبطل مناداتهم بمبادئ التحرّر والحرية.

5 . مجابهة الذميّة

“الذميّة” نظام يقوم في دار الإسلام، أي في المكان الذي أصبح الحكم فيه للمسلمين. وهو منحة وتسامح “يتكرّم” بهما الغالبون المسلمون على المغلوبين من أهل الكتاب الذين يرفضون الدخول في الإسلام.

وما كانت “المسيرة” بقادرة أن تتجاهل هذا الموضوع الخطير، وذلك لأن هذا النظام يحدد العلاقة بين الطرفين على نحو يجعل الفريق الثاني أدنى من الفريق الأول حقوقاً وواجبات وتكافؤ فرص، ويأخذه في “ذمّته” وتحت حمايته (تسلّطه) وبشروط واضحة. ويحق للفريق الأول أن يُخرج الفريق الثاني من ذمّته وأن يرفع عنه حمايته إذا ما اعتبر يومًا، أو خُيِّل له، أن الفريق الثاني أخلّ بشروط الذميّة. وتمتلئ صفحات التاريخ، وتصرّفات الأصوليين اليوم، بمبرّرات وذرائع في هذا الصدد أدت وتؤدي إلى إضطهاد وتنكيل إتخذا أكثر من شكل وأسلوب. وعرفت “المسيرة” كيف تحذر من أي تساهل وتخاذل أمام الهجمة الذميّة، أي شكل اتخذت وأي لباس ارتدت.

6 . نشر فكرة التعددية

لا يمكن الفصل بين الحرية واحترام التمايز القائم بين الجماعات اللبنانية. وإقرار مبدأ التمايز إقرارٌ، بذات الفعل، بالتعددية المجتمعية التي تحول دون “الإنصهار الإبتلاعي” الذي يهدد الجماعات بالتخلّي عن ثقافاتها وأصول اقتناعاتها ومعتقداتها. ولعل فشل كل فريق في محاولة تفريغ الآخر من ذاته هو الذي شكّل جوهر الإنفجار والتفجير المتلاحقَيْن منذ إنشاء لبنان الكبير. فالجماعات كلها، من غير استثناء، ترفض أن تُقتلع من جذورها.

وكانت “المسيرة” بطلة في نشر فكرة التعددية، ولم تملّ من دعوة كل جماعة إلى تقبّل الجماعة الأخرى كما هي وعلى قدم المساواة من غير هيمنة أو نظرة إستعلائية. لا بل ذهبت إلى حد تشجيع اللبنانيين، جميعهم، على القيام بتعميم إحترام التعددية، في داخل بلدهم وفي البلدان المحاورة… هذا هو “الدور اللبناني” كما آمنت به “المسيرة”. ويوم يصل اللبنانيون إلى هذا القبول المتبادل المبني على الإقتناع التام به، فإنهم يفسحون لكل جماعة منهم في مجال أن تضع نظراتها وتطلّعاتها، بكل حرية، على محك التجربة الحضارية. فيبقى وينمو ما هو قابل للتطوّر، ويزول ما لم يعد متوافقاً والتقدم الإنساني المطرد. وهكذا يساهم اللبنانيون في إغناء الحضارة الإنسانية.

وسيكون الإنعكاس المباشر لنجاح مبدأ التعددية ثورة في العالم العربي الإسلامي، ولربما أسس لمفهوم جديد في علاقة «أهل الأمّة» بـ»أهل الذمّة» وحتى بغير المكترثين للدين والمشركين، ومهّد للمساواة التامة الإنسانية والقانونية والمدنية بين المسلمين وغير المسلمين.

7 . حل لإنقاذ الحرية والحريات

لم تكتفِ “المسيرة” بمعاركها الفكرية ضد كل من يحاول قتل الحرية. بل دلّت على حلّ عملي لإنقاذ الحرية في لبنان، في أبعادها، وذلك بإحلال نظام سياسي – دستوري مستوحى من نتائج الإقرار بالتعددية، وهذا النظام يقوم على الديموقراطية التوافقية.

تفترض الديموقراطية التوافقية أن يحلّ شكل مركّب صريح للدولة اللبنانية محلّ شكلها القائم في الوقت الحاضر المتأرجح الحائر بين الوحدوي الظاهر والمركّب الضمني.

ومن المعروف أنه لا يوجد نموذج واحد موحّد للدولة المركّبة. كل مجتمع ينطلق من حقيقته في بنائه السياسي ليعطي حقيقته هذه إطارها الطبيعي والصالح. والمهم أن يزول كل شعور بالحذر والخوف عند المسيحيين وكل شعور بالغبن والغربة عند المسلمين. وأهم الأهم أن يشعر اللبنانيون جميعهم بالحرية التامة والمساواة الصحيحة والعدالة الكاملة. إذ ذاك يحيَون الحرية ملء كيانهم.

•••

لـ”همِّ الحرية” كلام كثير حتى تتبيّن تجلّياته على نحو أكثر وضوحًا. لكن المناسبة لا تفسح في المجال أكثر مما أفسحت.

وما أتمناه أن يبقى “همُّ الحرية” نُسغ “المسيرة” وجوهرها أيًا تكن ظروف المسيحيين والطريق التي ستشقها لهم الظروف المقبلة واستشرافاتها.

فإلى سنين سنين طويلة يا “مسيرتنا” المضيئة، وليبقَ “همُّ الحرية” في ضميرك نجمة قطب تدلّنا دومًا على المرتجي وتهدي من اختلطت عليه دروب الإلتزام.

18 ـ 1 ـ 1986

• من كتاب صدر حديثاً بعنوان «من أجل العدالة في الوطن» عن دار « سائر المشرق.

الأباتي بولس نعمان:

احملوا القضية حتى الإستشهاد

…”كلمي زغيري”. “القضيي موجودي والمسيرا موجودي. الشي الوحيد اللي اعطيتونا أمل إنو بدو ينوجد هوي الناس الشرفا الأمنا العادلين اللي بدُّن يمشو بالمسيرا. ما نقص لبنان لا مجلي ولا جريدي ولا أصوات بتدوي. نقص لبنان أحقاء، عادلين، بناة، رجال دولة، يحملوا القضيي ويضلوا حاملينا حتى الإستشهاد.

فريق المسيرا، شكرنا الجزيل إلُن، لأنن قرروا يسيروا بالمسيرا. وشكرنا الأجزل للي هني خلف هالفريق وبدُّن يقوموا بخطوات كبيري وضخمي إنطلاقا من هالمركز وهالمنطقا، وتعمّ كل لبنان وقت اللي منقدر نقول نجحت المسيرا ونجحوا رواد المسيرا وبنوع  أخص الدكتور سمير جعجع  وفريق المسيرا، هني اللي بدنا نشكرن اليوم ونطلب منن إنو كلنا نحنا نمشي خلف هالمسيرا، بس خلينا نقدر نكون ماشيين خلف مبادئ وحقايق وقيم مثل ما مشيوا جدودنا بهالشرق قدام حقايق وقيم، وكانوا نور هالشرق، ريجعولنا النور للبنان تيرجع النور للشرق”.

في احتفال المسيرة بعيدها الأول في 2-11-1985

الدكتور سمير جعجع: بدون المسيرة صعب يكون في مسيرا

في عيدها الأول شارك سمير جعجع أسرة “المسيرة” والرفاق، وللمناسبة قال: “أي مشروع مقاومي بدون فكر ما بيأدي لأي نتيجي. أي مقاومي بدون فكر بتكون مجرّد ردة فعل غرائزيي بدائيي ما بتأدي بنهاية المطاف لأي حرية، لأي حلّ. والفكر، مش متل ما تعودنا عليه كلنا سوا: كلمات منجمعا من هون ومن هون منحطا ع بعضا، تتطلع مقال، أو تنطلّع بحس، تيطلع إسمنا بالجريدي، تيطلع إسمنا إنو عملنا كتاب، تنعمل خطاب أو غيرو. الفكر عملية علميي بكل ما للكلمي من معنى، عملية معقدي دقيقا شائكي بس بنهاية المطاف بتودي لنتائج دقيقا ومرضيي. أكيد الفكر الموجود بالمجلّدات وبالمكتبات ما بيوصل لأكترية الناس، لصعوبة المحتوى، لانشغالن بأمورُن اليوميي. يلي بيوصل للناس هوي الأدوات الإعلاميي الموجودي بالمجتمع. من هون إزا منقول بدو يكون موجود فكر بالمجتمع، هالشي بيتوقف لمدى كتير بعيد ع الأدوات الإعلاميي بهالمجتمع. ع مدى دقتا، ع مدى قوة محتواها، ع مدى صدقا.

للأسف الأدوات الإعلاميي بمجتمعنا ما قدرت لحد هلق أدت هالدور. شي منا لأنا مرتهني، شي تاني منا لأنو ما عندو محتوى لفكرو، شي تالت منا لأنو بيعالج الأمور بسطحيي.

بتمنى إنو مسيرتنا، مجلة المسيرا، تقدر تسد الثغرات الموجودي بالمجتمع ع هالصعيد. بتمنى المجلّي هي اللي تحمل فكر واضح، فكر ملتزم، فكر علمي، مشغول ع الأسس المطلوبي. بتأمل من أسرة المسيرا تكون عارفي مدى المسؤوليي الملقاة ع عاتقا. بهنيُّن ع الأعداد الصفر اللي طلعو لحد هلق، وبقلُن بكلمي بسيطا إنطلاقا من إنو الفكر هو مسيِّر لكل الحركات والتحركات والمشاريع، إنو بدون المسيرا صعب يكون في مسيرا”.

 

في احتفال المسيرة بعيدها الأول في 2-11-1985

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل