.jpg)


كتب السفير د. هشام حمدان في “المسيرة” – العدد 1735
لبنان سويسرا الشرق… من قال؟
اللبناني يثور ويستسلم لمعاناته ويقول ما لا يُضمر
سألت نفسي مرارًا، لماذا هذه الحروب والأحداث، في بلد كان يُعتبر يومًا، سويسرا الشّرق؟ لماذا تحوّل اللّبنانيّون الذين كانوا شعلة الفكر التّحرّري لشعوب الدّول العربيّة، إلى حالة متخلّفة حبيسة المشاعر الغريزيّة للإنسان المتفلّت من مدارك المنطق والعقل؟
إندفعتُ مثل غيري في قراءة الأسباب الظاهرة. كتبت عشرات المقالات، والدراسات، والأبحاث، أحلّل هذه الظواهر، ونتائجها المباشرة على حالتنا. كنت مقتنعًا بكلّ ما كتبته وما زلت، لا سيما أنّني انطلقت أساسًا، من القاعدة المنطقيّة الصحيحة التي تربط واقع لبنان في مسيرة العولمة السائدة بالنظام الدولي السائد. وجدت نفسي بعيدًا جدًا، عن المنطق السّائد في الفكر السّياسي بين اللّبنانيّين، على مختلف مشاربهم. كأنني طائر يغرّد خارج سربه. فلطالما فوجئت من جهل اللّبنانيّين لأبسط مفاهيم التّرابط بين المؤثّرات القائمة على واقعنا، وما يحيط بنا مباشرة، من التطوّرات اليوميّة.
وجدت نفسي في حالة إنفصام عن الواقع القائم. لماذا؟ لماذا يُصرّ اللّبنانيّون على اجترار المآسي لأنفسهم؟ يقولون ما لا يضمرون. يدّعون ممارسة الدّيمقراطيّة، فيما هم يعاندون في الدّفاع عن مواقفهم إلى درجة التّعصب القاتل. يدّعون الثّورة على الحالة، فيما هم يستسلمون لمعاناتهم. يدّعون الإنفتاح على الآخر، فيما هم يرفضون الخروج من شرنقة تأسرهم، وتبقيهم في حالة التشتّت والتّشرذم. سألت نفسي، هل يمكن أن تعود عقارب السّاعة باللّبناني الذي كان يتفاعل في السّاحات العامّة، مع التغيّيرات في أيّ مكان في الدنيا، إلى القرون الماضية؟
أخذني هذا السؤال بعيدًا، فوجدت نفسي مندفعًا لدراسة حقيقة التطوّر الذي عاشه شعبنا. هل كنّا حقيقة سويسرا الشّرق؟ بدأت قراءة معمّقة لتطوّر نظام علاقاتنا الوطنيّة في جوانبه السّياسيّة، والإقتصاديّة، والإجتماعيّة، والثّقافيّة، منطلقاً من القاعدة ذاتها التي اعتمدتها دائمًا لتقديم قراءاتي، وهي واقع لبنان في تطوّر مسيرة العولمة التي يعيشها المجتمع الدولي. بعد أن أنهيت قسمًا كبيرًا من قراءاتي، صار واضحًا لي أكثر، الجواب على أسئلتي. لطالما قلت إنّ قراءة واقع العلاقات الدّوليّة حولنا حاجة ماسّة لفهم مشاكلنا. وأراني اليوم أقول أنّ قراءة تاريخ العلاقات الدّوليّة التي عاشها لبنان منذ العهد الفينيقي وحتّى اليوم، هو حاجة وطنيّة ماسّة.
نشر الباحثون عشرات الكتب عن تاريخ لبنان. كلّ تلك الكتب كانت تقرأ عن نتائج الغزوات والحروب، التي عاشها لبنان. لكنني لم أجد أيّة قراءة تشرح تطوّر تاريخ لبنان، في إطار تطوّر الصّراعات بين الدّول، وما كانت تدفع له من تغيير في مفاهيم الحرب والسّلام بين الشّعوب. نحن لا يمكن أن نفهم التحوّلات التي جرت في السّلطنة العثمانيّة، ومفاعيلها على شعوب الدّول التي كانت خاضعة لها، من دون أن نقرأ تأثير الحروب الدّينيّة في أوروبّا، والحروب الأوروبّيّة ـ الأوروبّيّة، على تطوّر الإستراتيجيّات الأوروبّيّة في تعاملها مع السّلطنة، ومع الشعوب التي كانت خاضعة لها. ولا يمكن أن نفهم تأثير الإستراتيجيات الأوروبّيّة على شعوب الدّول الخاضعة للسّلطنة، ما لم نفهم الصّراع ما بين المفاهيم اللّيبراليّة، والمفاهيم القوميّة، التي سادتها. كلّ ذلك كان موضع دراستي المعمّقة، فجمعت ما بين حقيقة أسباب قيام الإستعمار والنّظم الإمبرياليّة، وما أدّت إليه من صراعات بينها، كانت الشّعوب الصغيرة، مثل شعب لبنان، ضحيّة لها.
نحن لسنا جزءًا من أوروبّا كما هي سويسرا. لم نكن يومًا شعبًا حرًّا مستقلًّا، يمسك صناعة قراره بنفسه، ويملك الجرأة أن يقرر اعتماد الحياد في صراع القوى الإقليمية الكبرى حوله. كما أنّ الدّول التي حولنا، ليست دولاً أوروبّيّة تملك شعوبها حريّة قرارها، وقادرة أن تحترم قرار الشّعب السويسري بالحياد. نحن نعيش في محيط تقطنه شعوب صغيرة مثلنا، يأسرها العالم القويّ بمصالحه.
قصّة لبنان وشعبه، قصّة مواطن عاد فعلاً، إلى القرون الماضية. إستفاق لدينا هذا العقل الباطني الذي اعتقدنا أنّنا خرجنا منه بعد التبدّلات التي حصلت بعد حرب عام 1860. لكنّها كانت الكذبة الكبرى. توافق القوى العظمى الأوروبّيّة التي كانت تحكم العالم في حينه، أخرجنا من تلك الحرب. تبدل القوى العظمى وتبدّل مصالحها، أعادنا إليها. الصراع الروسي ـ الأوروبي، والصراع الروسي ـ الأوروبي ـ العثماني في حينه، عاد يُطل علينا من نافذة صراع الإتّحاد السوفياتي والولايات المتحدة. والصراع الديني بين السلطنة وشعوب الدول الخاضعة لها، عاد يُطل علينا من نافذة العصبيّة الدّينية الصّفوية الإيرانيّة. والصراع الأوروبي مع السلطنة على هذه المنطقة، عاد يُطل علينا من خلال الصراع الأميركي مع إيران.
كلّ ذلك، أعادنا إلى مرحلة تقوقعنا كمجموعات لفترة ما قبل عام 1860. عقلنا العلمي وتقدّمنا الأكاديمي، لم يلغِ الجذور المتأصلة في الكيانات التي قامت في ذلك الحين. وكما في علم النفس، فإنّ المريض لا يشفى من مشكلته، ما لم يستفق على أساس مشكلته.
أشعر ببعض الفرح لأنّني لم أيأس من حالة مواطنينا، بل زدت قناعة بأنّها حالة مرضية. سأدفع قريبًا بقراءتي لتاريخ لبنان في إطار العلاقات الدّوليّة. وأنّي آمل أن تساهم في معرفة أسباب مرضنا، ممّا قد يفتح الباب أمام توجّه صحيح نحو بناء السّلام في وطننا بعد النّزاع.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]