
كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1735
انتخابات الغرب: يأتي حاكم ويذهب آخر
ما كُتب قد كُتب و… The Show Goes on
للديمقراطية إيجابيات كثيرة، لكن لها سلبية واحدة. سلطات تعطِّل بعضها البعض، وتغييرات في هوية الحكام كل فترة. هذا ما يجري، غالباً، في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تُقام انتخابات نصفية في منتصف ولاية رئيس الجمهورية، والتي يفوز فيها عادة الحزب المناوئ للرئيس الأميركي. لا تقلب الانتخابات، في الغرب، الكثير في السياسات العامة، بل تبقى على حالها، أو تتغيّر أحياناً بعض الشيء. في الغرب مفهوم «الدولة صانعة السياسات» الكبرى والاستراتيجية قائم بذاته، إذ نادراً ما تتغيّر جذرياً إن تغيّرت هوية الحكّام.
حقق الحزب الجمهوري فوزاً فاتراً في الانتخابات النصفية، فبات عدد أعضائه أكثر بقليل من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب. أما مجلس الشيوخ، فحافظ فيه الديمقراطيون على الأكثرية الموالية للرئيس الأميركي. ماذا يعني هذا الأمر؟ بالعمق، لا شيء الكثير. جلّ ما في الأمر أن الرئيس جو بايدن سيبقى حاكماً، لكن سيراعي الحزب الآخر الذي بات بإمكانه عرقلة بعض أعماله في مجلس النواب.
ماذا تعني هذه النتائج على قضايا العالم؟ مثلاً، هل ستوقف الولايات المتحدة الأميركية دعمها العسكري والسياسي لأوكرانيا؟ قطعاً لا. الموضوع غير مرتبط بحزب أميركي دون آخر، إنما بأهمية الصراع الأوروبي – الروسي على الحضور الاستراتيجي الأميركي. لو حكم الجمهوريون، الديمقراطيون، أو حزب الخضر الأميركي، تبقى سياسة الدولة تجاه «القضية الأوكرانية» هي نفسها. الأمر غير مرتبط بهوية حاكم، إنما بالمصالح العليا للدولة.
يصح الأمر عينه على الانتخابات الإسرائيلية. بات بنيامين نتانياهو رئيساً للوزراء منذ أسابيع. فما الذي تغيّر في مواضيع تتعلق بأمن إسرائيل؟ الحصار على غزة؟ قصف القوى الإيرانية في سوريا كل بضعة أيام؟ وموضوع الترسيم البحري مع لبنان؟ إن كل هذه القضايا الحيوية و»الثابتة» لإسرائيل بقيت وستبقى على حالها. قد يكون نتنياهو أكثر تشدداً تجاه قضية بالمقارنة مع سلفه، لكن سياسات دول إسرائيل، وهي دولة «غربية» في نمطها ونهجها، ستبقى على حالها. لا يتعلق الأمر في ديمقراطيات العالم بهوية الحكام، غير المهمة جداً، إنما باستراتيجيات الدولة الكبيرة والموضوعة منذ سنوات، ومصالحها الدائمة وشبه الثابتة.
حققت إسرائيل مصالحها بالتسوية الحدودية التي أرستها مع لبنان عبر رعاية الولايات المتحدة الأميركية. حصلت على اعتراف لبناني، سياسي وأمني، بإمتلاكها للسيادة وللحقوق الإقتصادية في حقل «كاريش»، وحصّنت بعض الحقوق في حقل «قانا»، هذا طبعاً، إن كان في باطنه بعض الغاز بكميات تجارية.
لا أحزاب اليمين ولا أحزاب اليسار ولا أحزاب الوسط الإسرائيلي ستتخلى عن إتفاق ترسيم الحدود مع لبنان، لا حباً بلبنان بطبيعة الحال، ولا إحتراماً للراعي الأميركي، إنما، ببساطة، لأن الإتفاق هذا قد أمّن مصالح إسرائيل… «وحبّة مِسك». لا دولة قائمة بحد أدنى من الديمقراطية ومؤمِنة بالعمل السياسي العقلاني، وبرفاهية الشعب على حساب أي أمر آخر، قد تُقدم على ممارسة سياسة تضر بمصالحها ومصالح شعبها.
مصلحة الدولة أعلى من مصلحة الأشخاص. وحقوق الدولة، التي تعبّر عن الجموع والشعب، أعلى مرتبة من مصلحة الحزب الحاكم. هذا في الدولة القائمة على النمط الغربي. وهذا، بطبيعة الحال، يختلف جذرياً عن بلادنا وبلاد الشرق أو تلك التي يحكمها النمط الشرقي في الحُكم وصنع السياسات.
هنا، أو عندنا، يتغيّر كل ما في الدولة إن أتى حاكم من لون آخر. ومصالح الحاكم، على ما قال «مكيافيللي» هما إثنان: الوصول إلى السلطة، والبقاء فيها. كل ما تبقى من أعمال وسياسات وطُرق وأساليب وأدوات، هي لخدمة هاتين المصلحتين لا أكثر. حقوق الدولة ورفاهية الشعب عبارة عن سراب وتمنيات تتنقل في مخيلة الناس، فالحكم القوي، حسب حِكمة «ثيوسيديدس»: يصنع ما يشاء فيما الضعفاء يعانون ما يستحقونه.
بالعودة إلى قضية الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، بات الأمر محسوماً. أنهى عون ولايته بـ»إنجاز» لن يتراجع عنه. هذا خاصة وأن «حزب الله» قد صفق له، وأثنى على الجهود المبذولة. فيما الطرف الحاكم الثالث، رئيس مجلس النواب، وافقهما، خاصة وأن ما قام به، من مفاوضات أولية تتعلق بـ»إتفاق الإطار»، قد تكللت بعد سنوات بإتفاق حدودي نهائي. الطرف اللبناني، لا يعنيه أي إعادة للمفاوضات ولا فتح باب النقاش حوله، حتى وإن كان، بحقيقة الأمر، لم يحقق الحد الأقصى من مصالح لبنان الممكنة.
عملياً، لا الطرف اللبناني ولا الإسرائيلي في وارد، اليوم وإلى أجل غير مسمى، العبث بما تم الاتفاق عليه. لا قدرة للطرف الأول على فعل أي شيء أصلاً، ولا مصلحة للطرف الثاني على فتح باب التفاوض على موضوع الحدود. أما الراعي الدولي، الولايات المتحدة الأميركية، فلا تقبل، إلا استثنائياً، بنقض ما التزمت به «الدول الصغيرة» أمامها. لا وقت ولا أولوية لـ»حرتقات» الدول الصغيرة كلبنان وإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
يتجه العالم اليوم إلى منازلة أكثر احتداماً في أوروبا، أكان في أوكرانيا أو في مسائل تتعلق بالموارد الطبيعية وقضايا اللاجئين. الاقتصاد الأميركي متعثر بشكل جدي، تماماً كما هو الاقتصاد العالمي الذي يشهد حالة انكماش تُنبئ بكارثة. الصين تتوسع في أفريقيا وجزر المحيط الهندي ووسط آسيا، وتهدد جدياً المصالح الأميركية على المدى المتوسط. بينما يهدد معتوه كوريا الشمالية العالم بالسلاح النووي…. كل هذه القضايا أولوية عند دول الغرب، فيما حدود لبنان وإسرائيل، وكل ما يتفرع عنهما من قضايا، كعودة اللاجئين الفلسطينيين ومدينة القدس وحلّ الدولتين والصراع العربي الإسرائيلي فقد باتت، بحكم الأمر الواقع، شبه منسية من معظم العالم.
في الغرب، يأتي حاكم ويذهب آخر، ويستمر، تقريباً، العرض نفسه: The Show Goes on. لقد كُتب ما كُتب، وحتى تتغيّر الدنيا من حولنا، فإن اتفاق ترسيم الحدود باقٍ، ومصلحة الجميع التعامل معه على هذا الأساس.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]