
تاريخ من تاريخ…
لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.
نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.
بعد اقرار الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس الياس سركيس خطة أمنية لمحافظة الشمال كلفت بها قوات الردع العربية في 28 حزيران من العام 1978، أعلنت فاعليات بشري رفضها تنفيذ السوريين لها في بشري ومحيطها، مطالبةً أن يتولاها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
تدخلت بكركي كما الرئيس سركيس لتثبيت الوضع ومنع تفاقمه نحو الأسوأ. حضر الى بشري المشرف على الخطة الأمنية في الشمال العقيد السوري تامر الجوني مبرراً دخول القوات السورية، وبدأ السوريون بتنفيذ انتشارهم في 30 حزيران من العام 1978. على الاثر، فرضت القوات السورية سيطرتها انطلاقاً من البقاع، على القرنة السوداء وضهر القضيب حيث موقع الغرفة الفرنسية. من جهة أخرى، طوّقت بلدتي دير الأحمر وعيناتا في 29 آب من العام نفسه، وألقت القبض على عشرات المواطنين وصادرت الأسلحة وسرقت ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، ناهيك عن نشر عشرات الحواجز.
من عيناتا تقدّم السوريون، معززين بالدبابات بقيادة مُنَفّذ مجزرة القاع الرائد علي ديب إلى منطقة الأرز، الّا أن أهالي المنطقة أبوا أن يعاملوا بهذا الشكل المهين مما استدعى منهم الانتشار المسلح على التلال المقابلة للسوريين.
بعد انتهاء القوات السورية من تمركزها في الأرز، اقتحمت مخفر الدرك طاردةً عناصره، وتابعت استفزازاتها بتطويق مركز لـ”القوى اللبنانية الموحدة” وثكنة الجيش اللبناني للتزلج في الأرز، وهددت ضباطها وجنودها وانذرتهم بالاستسلام، الّا أنهم اختاروا المواجهة حتى آخر رجل لأن كرامة الدولة اللبنانية على المحك.
وفيما كان التوتر على أشدّه في جرود الشمال، كمنت مجموعة قواتية بقيادة اليونور فضّول في بلدة بريسات لدورية سورية، مما أدّى إلى مقتل وجرح عناصرها، وفي الحال هرعت دبابات الاحتلال إلى موقع المكمن منزلةً طوافات عسكرية بأعداد كبيرة من الجنود في بلدتي بريسات وحدث الجبة، حيث دارت معركة قصيرة خسر خلالها السوريون دبابتين وعشرات الإصابات في صفوف جنودهم، وإنسحب رجال “المقاومة اللبنانية” إلى الجرود الجنوبية الشرقية.
وبينما كان السوريون يفاوضون ضباط ثكنة التزلج التابعة للجيش اللبناني على الإستسلام، قامت دورية سورية مدرعة بحملة تفتيش للشاليهات، فما كان منها إلا ان اصطدمت بأحد المقاومين الشجعان المدعو فادي جعجع الذي عاجل المجموعة برشق ناري وقنبلة يدوية أسفرت عن قتل المهاجمين. بعدها، توترت الأجواء، فبدأ السوريون بالقصف العشوائي الذي وصل الى بشري.
بدأت الاتصالات على مختلف الصعد بين فاعليات بشري والرئيس سركيس ومع الرئيس فرنجية لمنع انفلات الأمور ووصولها الى التفجير الكلي. وأفرج عن الجنود اللبنانيين من دون المدنيين بعد اتصالات حثيثة بين قيادتي الجيش و”الردع”.
في منتصف ليل 29 آب من العام 1978، قصفت القوات السورية منطقة بشري قصفاً عنيفاً، فاستشهد كل من عزيز حنا ملحم طوق ومريم حدشيتي، كما أشعل السوريون الحرائق في شاليهات الارز والاوتيلات وثكنة الجيش وبعض المنازل. عندها نظم مقاتلو بشري أنفسهم وتوزعوا على نقاط استراتيجية، وردّوا على القصف السوري.
في 30 آب 1978، وعندما كان أحد الرعاة المدعو “محرز لحود طوق”، ينقل ماشيته من منطقة المواجهات إلى أخرى آمنة، شاهد على تخوم غابة الأرز الجثث التي اختطفها السوريون من الشاليهات في الأرز، مشوّهة ومرميّة على قارعة الطريق، فأوصل الخبر الى بشري حيث قرر الأهالي مواجهة السوريين.
بدأت فاعليات المنطقة وعلى رأسهم الاب فيليب شبيعة العمل على تهدئة النفوس. كما هدد الشيخ بشير الجميل بمهاجمة القوات السورية في كل لبنان، ما أجبر قائد القوات السورية في الشمال العقيد تامر الجوني على رأس وفد من الضباط، تقديم الاعتذار ووعد بمحاكمة المتهمين بهذه المجزرة بعدما أمّن سيارة إسعاف ونقل الشهداء إلى مستشفى الحكومي في بشري، الا أنّ البشراويون رفضوا دفنهم إلا بعد حضور الإعلام وكل أهالي بشري ليشهدوا على فظاعة ما ارتكبه السوريون بالجثث.
الشهداء الذين تعرضوا للتعذيب حتى صَعُبَ التعرف على جثامينهم، هم:
الشهيد هاني أسعد كيروز
الشهيد انطوني أسعد كيروز
الشهيد مطانيوس أبو شيبان طوق
الشهيد دوري إميل نكد
الشهيد جميل ميشال الأسطا كيروز
الشهيد باخوس عبود
