![]()
نشرت “المسيرة” – العدد 1735
لا تزال الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعيشها لبنان مقلقة لجميع اللبنانيين. لا أمل حقيقيًا لإصلاح الأوضاع مع حكام وأحزاب حكموا وتحايلوا على اللبنانيين، وكانوا المسبّب الأساسي لهذه الأزمة، وعلى رأسهم «حزب الله.»
يشكل هذا الحزب وتصرفاته في لبنان والمنطقة، سبباً أساسياً من أسباب كثيرة للأزمة الاقتصادية التي وصفها البنك الدولي بأنها «أسوأ أزمة من نوعها يشهدها العالم منذ خمسينات القرن التاسع عشر»، فيما يستخدم «حزب الله» سطوته على الواقع اللبناني من أجل فرض سيطرته على المؤسسات الدستورية، بعدما أمسك بالقرارات الاستراتيجية للدولة اللبنانية، أكان بتغطية من رئاسة الجمهورية والحكومة أم من الأكثرية النيابية التي تدور في فلكه، وأمعن في المضي قدماً بربط لبنان بالمشروع الإيراني.
هذا وسعى «حزب اﻟﻠﻪ» إلى بناء منظومته الموازية على مختلف الأصعدة: العسكرية والاجتماعية والاقتصادية، مستفيداً من هيمنته السياسية على الدولة اللبنانية، ومستخدماً سلاحه في الداخل ومهدداً بفائض قوته كلما دعت الحاجة.
لم يكن بناء منظومة خاصة بـ«حزب الله» أمرًا سلسًا، إنما ترافق مع إزدهار الأعمال المخالفة للقانون التي ارتبطت بإسمه، كتهريب المخدرات، نقل الأسلحة، تبييض الأموال، وزعزعة إستقرار الكثير من الدول… الأمر الذي دفع العديد من دول العالم إلى تصنيفه كمنظمة إرهابية عابرة للحدود، كما فرض عقوبات أميركية متتالية عليه طالت شركات ومؤسسات ومصارف لبنانية اتُهمت بتقديم المساعدة له.
لا يمكن، بمطلق الأحوال، الحديث عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية من دون ذكر الإحجام العربي عن مساعدة لبنان كنتيجة مباشرة لسياسة «حزب الله» الخارجية، كما دور إزدياد عمليات التهريب، والعقوبات الأميركية المتتالية على «حزب الله»، ناهيك عن الأثر المباشر للتوترات الأمنية الداخلية والخارجية على الاقتصاد.
إن جميع هذه العوامل لا بد من أخذها بعين الإعتبار عند التفكير في الأزمة الاقتصادية اللبنانية اليوم، لأنها لعبت دورًا مهمًا في تعميقها على أقل تقدير، وسرّعت بالإنهيار الاقتصادي والمالي وفاقمته، وأثرت على سمعة لبنان وبعض قطاعاته، وسبّبت تغييرًا واضحًا في طريقة تعاطي الدول الإقليمية والغربية معه.
أولاً: العقوبات الأميركية على «حزب الله»: الاقتصاد اللبناني كضحية
1 – مصادر تمويل «حزب الله»
من المعروف أن معظم مصادر تمويل «حزب الله» كانت خلال وبعد تأسيسه، من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إلا أن الأعباء المالية التي تكبدها خلال حرب تموز عام 2006، كما الإنخراط في الحرب السورية، والعقوبات الأميركية التي طالته، دفعته للبحث عن مصادر مالية جديدة لتمويل أنشطته الداخلية والخارجية.
تراجعت نسبة إعتماد «حزب الله» على الدعم الإيراني خلال العقدين الأخيرين، إذ عمل على محاولة تنويع موارده من خلال السعي لبناء منظومة اقتصادية موازية للدولة، والإنخراط أكثر في أنشطة اقتصادية ومالية غير شرعية، فضلاً عن إستفادته من الإرتباط بشبكات الفساد والإستخدام واسع النطاق للممارسات الزبائنية، وخصوصًا بعد اندماجه في النظام السياسي اللبناني. فازدهرت، تبعًا لذلك، الأعمال المخالفة للقانون التي ارتبط إسم «حزب الله» بها، من تهريب للمخدرات، ونقل الأسلحة، وتبيض الأموال، وزعزعة إستقرار الكثير من الدول، الأمر الذي دفع العديد من دول العالم إلى تصنيفه كمنظمة إرهابية عابرة للحدود.
نتيجة لهذه الأعمال غير القانونية، أصدرت الإدارة الأميركية العديد من القوانين والمشاريع لفرص عقوبات على «حزب الله»، ولملاحقة تمويله ورصد حركة وأنشطة مقرّبين منه في أعمال غير شرعية، وخصوصًا في أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية وأفريقيا وآسيا.
2 – قوانين العقوبات على «حزب الله»
صدرت العديد من القوانين التي وضعت عقوبات على «حزب الله»، وأثرت، بالتالي، على الاقتصاد اللبناني الذي ذهب ضحية لسياسات الحزب ومشاريعه الخارجية، ومنها بشكل أساسي: قانون «منع التمويل الدولي لحزب الله» (2015)، وقانون «تعديلات منع التمويل الدولي لحزب الله» (2018). بالإضافة إلى تأثير «قانون العقوبات على إيران» (2018) و «قانون قيصر» (2020).
شكل قانون «منع التمويل الدولي لحزب الله» الذي أقره الكونغرس الأميركي نقطة تحوّل مفصلية أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني، ووضعت مصرف لبنان تحت ضغوط كبيرة، وذلك لأنه فرض شروطاً صارمة على أي مؤسسة مالية تسهّل خدمات لـ«حزب الله» أو للأشخاص الذين تربطهم به أي علاقة.
قاوم «حزب الله» هذا القانون ومارس في فترة إصداره الكثير من الضغوط على مصرف لبنان لمنعه من تطبيقه. في 12 حزيران 2016، تم إستهداف «بنك لبنان والمهجر» الذي عمد إلى تطبيق هذا القانون، في حدث كان قد سبقه، قبل يومين فقط، تهديد من جريدة «الأخبار» شبه الناطقة باسم «حزب الله» للمصرف المذكور ومصارف أخرى، وهو الأمر الذي تسبب، بحسب خبراء الاقتصاد وجمعية المصارف اللبنانية، بـ«زعزعة الإستقرار الاقتصادي»، وأحدث تقلّبات في القطاع المصرفي اللبناني.
أما قانون «تعديلات منع التمويل الدولي لحزب الله»، فضيّق الخناق أكثر عليه لأنه فرض عقوبات على أي «فرد أو كيان أجنبي، أو وكالات الحكومات الأجنبية» بحال قدمت الدعم لـ«حزب الله».
ثم كان قانون «العقوبات ضد إيران»، الذي فرضه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية وتضمن عقوبات على أكثر من 700 فرد وكيان وطائرة وسفينة، بعضهم مرتبط بـ«حزب الله». تبعه «قانون قيصر» الذي أقره الكونغرس الأميركي، والذي فرض عقوبات مالية على المؤسسات والأفراد المرتبطين بالنزاع في سوريا والذين «يقدمون دعمًا كبيرًا أو ينخرطون في صفقة مهمة مع الحكومة السورية».
3 – أثر هذه القوانين على الاقتصاد اللبناني
نتيجة لممارسات وسياسات «حزب الله»، تم فرض هذه القوانين عليه، تلاها زعزعة سمعة الدولة اللبنانية في الخارج التي بدت غير قادرة على فرض سلطتها على «حزب الله» أو حتى على شؤونها الداخلية، كما أثرت هذه القوانين على ثقة المستثمرين في لبنان، مما انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني.
من جهة أخرى، شملت العقوبات العديد من الشخصيات الداعمة والمموّلة لـ«حزب الله» في الخارج، كما شخصيات سياسية داعمة له في الداخل كوزير المالية السابق علي حسن خليل، وزير الأشغال العامة والنقل السابق يوسف فنيانوس، ووزير الخارجية والمغتربين السابق جبران باسيل.
أما الأثر السلبي الأكبر لهذه العقوبات، فكان على القطاع المصرفي اللبناني ومصرف لبنان، بخاصة وأن وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، في 29 آب 2019، عقوبات على «جمال ترست بنك» والشركات التابعة له في لبنان بدعوى تسهيلهم نشاطات مالية لـ«حزب الله»، بعدما اعتبرته يمثل «جهة مصرفية رئيسية لـ«حزب الله» في لبنان ويتمتع بتاريخ طويل ومستمر في تقديم مجموعة من الخدمات المالية لهذه الجماعة الإرهابية».
ثانيًا: «حزب الله» يزعزع النظام المصرفي اللبناني
يصف «حزب الله» «النظام الاقتصادي الرأسمالي» بأبشع النعوت في وثائقه السياسية والعقائدية، ويسعى إلى «مقاومة النموذج الرأسمالي المتغطرس كما يسمّيه. في مقابل ذلك، أسس «حزب الله» منظومته الاقتصادية الرأسمالية الخاصة، وهي تتضمن بطاقة صحية ومؤسسة «القرض الحسن»، و«بطاقة سجاد»، كما عشرات المؤسسات الخاصة الأخرى. تساهم هذه المؤسسات في خلق اقتصاد موازٍ للدولة اللبنانية، والتي تعمل بمثابة بديل عن مؤسسات الدولة اللبنانية والقطاع المصرفي اللبناني بالنسبة لـ«حزب الله» وللبيئة التي تواليه.
يسعى «حزب الله» إلى تعطيل النظام المصرفي اللبناني باعتباره محركاً للاقتصاد بعدما تعذر على الحزب إخضاع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لكامل شروطه، كما بسبب فشل ضغوطاته على المصارف لمنعها من الإلتزام بالعقوبات الأميركية، لا سيما بعد تجربة العقوبات على «جمال تراست بنك» في أيلول 2019، والتي أجبرته على التصفية الذاتية والإقفال النهائي.
يهدف «حزب الله» للخروج من الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها، وذلك عبر وضع المصارف أمام خيار يتيم لا بديل عنه لتلافي الإفلاس، وهو زيادة رأسمالها. يمكن لـ«حزب الله» أن يستفيد من هذه الزيادة لأنها ستضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد اللبناني الخاضع بقسمه الأكبر لإدارته وسيطرته، مما يسمح له بتكبير حجم الكتلة النقدية التي يستفيد منها، وبالتالي زيادة الأرباح التي يجنيها .
ويقوم مشروع «حزب الله» على استبدال دور النظام المصرفي اللبناني بالاقتصاد النقدي (Cash Economy) بحيث يتمكن الحزب بذلك من الإمساك بمفاصل الدورة الاقتصادية اللبنانية إستيراداً وتجارة، وبالتالي تحكّمًا بالكتلة النقدية الموجودة بين أيدي اللبنانيين وبسعر صرفها، وهي كتلة نقدية تُقدّر بأكثر من ستة مليارات دولار أميركي يُضاف إليها نحو سبعة آلاف مليار ليرة لبنانية. ويتطلع «حزب الله» إلى الإستفادة من هذا المبلغ الضخم من خلال توظيفه في منظومته الاقتصادية والتجارية للتحكّم بقسم من التجارة الخارجية عن طريق التهريب والأعمال المخالفة للقانون، بما يسمح له بالتفاف واسع على العقوبات الأميركية من خلال التفلّت من رقابة القوانين والنظام المصرفي اللبناني.
منذ نهاية العام 2019، بدأ كبار المودعين سحب أموالهم من المصارف اللبنانية، فباشر «حزب الله» عبر صيارفة مقرّبين منه، بوضع يدهم على جزء من السيولة بالدولار والعملات الأجنبية المتوفرة في الأسواق اللبنانية، وذلك من خلال شبكة من محال الصيرفة التي عمد أصحابها إلى المضاربة على سعر الليرة اللبنانية. وقد عمل الحزب للإستفادة من تلك السيولة من خلال توظيفها في منظومته الاقتصادية للتحكّم بعمليات الإستيراد والتهريب والتجارة الداخلية، وذلك سعيًا منه لتنويع مصادر دخله والتهرّب من العقوبات الأميركية عليه.
ثالثاً: وقف الدعم الخليجي و«المبادرة الكويتية»
1 – أسباب توقف المساعدات الخليجية
غلّب «حزب الله» المصلحة الإيرانية على المصالح اللبنانية، فساهم في توريط لبنان في أزمات سياسية وخارجية كبيرة نتيجة لتدخلاته الإقليمية وانخراطه في الحرب السورية واليمنية والشؤون البحرينية. تزعزت علاقات لبنان الخارجية، وخاصة مع دول الخليج، وزادت الأزمات الاقتصادية نتيجة إحجام الخليجين عن القدوم إلى لبنان والإستثمار فيه.
أدت سياسات «حزب الله» الخارجية كذلك إلى وقف المساعدات الخليجية المالية والعسكرية، والقروض الدولية التي كان يتلقاها لبنان من قبل. كما بدا واضحًا التردد الخليجي عمومًا والسعودي خصوصًا في «مؤتمر سيدر» عام 2018، عندما ربطت المساعدات والقروض الموعودة للبنان بإجراءات لبنانية داخلية بينها الحد من هيمنة الحزب على الدولة والتراجع عن تدخلاته الخارجية.
إهتزاز علاقات لبنان الخارجية لم تكن حصراً نتيجة تدخلات «حزب الله» بالحرب في سوريا وباقي الدول، بل أتت أيضاً نتيجة أعمال «حزب الله» الخارجة عن القانون، وأهمها تهريب المخدرات إلى البلاد العربية، والخطابات المعادية والمحرّضة ضد تلك الدول.
2 – المبادرة الكويتية ورد «حزب الله»
بعد اهتزاز العلاقات اللبنانية – الخليجية، عاد الحديث عن إصلاح لتلك العلاقة في ضوء ورقة أفكار حملها وزير الخارجية الكويتي أحمد ناصر المحمد الصباح إلى المسؤولين اللبنانيين في كانون الثاني 2022، تحت عنوان «إعادة بناء الثقة بين دول المنطقة ولبنان».
تضمنت الورقة عددًا من البنود الموجّهة ضد إنتهاكات «حزب الله»، بحيث شددت في مطالبها على سياسة النأي بالنفس ووقف الإعتداءات الإعلامية وعدم تدخل «حزب الله» في الشؤون الداخلية للدول العربية. كما شددت على عودة لبنان إلى كنف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وتنفيذ القرارات الدولية 1559 والـ1680 والـ1701. هذا بالإضافة إلى ضبط الحدود ووقف التهريب وضمان التعاون بين مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي.
رد الجانب اللبناني على المبادرة الكويتية أتى أقل من سقف التوقعات، فيما أعلن وزير الخارجية عبدالله بو حبيب أن الرد اللبناني مُتفق عليه بين أركان السلطة التنفيذية، وأن «حزب الله حزب لبناني ولا يهيمن على سياسة لبنان… وأن القرارين الأمميين 1559 و1701 سيأخذان وقتا لتنفيذهما».
أما «حزب الله»، فلم يكترث لمصلحة الدولة اللبنانية وعلاقاتها الخارجية، وقام بالرد أولاً، عبر انتقاد المبادرة في الشكل والمضمون، معتبراً أنها محاولة سعودية للتدخل في لبنان وتحقيق المطلب الأميركي للقضاء على «حزب الله» من خلال الضغط الاقتصادي، فيما جاء الرد الثاني عبر رعاية لقاء نظمته «جمعية الوفاق» المعارضة البحرينية، متحديًا القرارات التي اتخذها وزير الداخلية بسام مولوي بمنع إقامة هذا الإحتفال الذي يشكل إستفزازًا إضافيًا للدول الخليجية.
رابعًا: إنفجار مرفأ بيروت
كان لانفجار مرفأ بيروت تأثير كارثي على الاقتصاد اللبناني. قدّر البنك الدولي قيمة الأضرار الناجمة عن الإنفجار ما بين 3.8 و4.6 مليارات دولار، فيما خلُص التقرير الذي أعدّته مجموعة البنك الدولي بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن خسائر التدفقات المالية نتيجة الإنفجار قد تراوحت بين 2.9 و3.5 مليارات دولار. ومن المتوقع أن يتراوح إجمالي تكاليف عملية التعافي وإعادة الإعمار ما بين 1.8 و2.2 مليار دولار. وقد أدى هذا الإنفجار إلى تضرّر 16181 شركة تجارية و5585 مؤسسة و1038 مطعمًا و15 مستشفى و90 مؤسسة تعليمية و77 دار عبادة و33 فندقا.
لا يُخفى على أحد النفوذ الذي يتمتع به «حزب الله» في مرفأ بيروت، وقد كثرت التقارير المحلية والأجنبية التي أكدت وجود عناصر للحزب في المرفأ، وأكدت بسط سلطته على العنبر رقم 12 الذي تم تخزين نيترات الأمونيوم فيه، هذا بالإضافة إلى التقارير التي تربط ما بين النظام السوري والنيترات والإنفجار.
ما يزيد الشبهات حول دور «حزب الله» في انفجار المرفأ هو إصراره على عرقلة التحقيق وسعيه ومطالباته المستميتة لتنحية القاضي طارق البيطار الموكل بالتحقيق، كما مقاطعة جلسات الحكومة حتى تحقيق هذا المطلب، ونزوله إلى الشارع في تظاهرة كادت أن تتحول إلى حرب أهلية، حين قام مناصروه بإطلاق الرصاص على المنازل والسكان في منطقة عين الرمانة ومحيطها.
خامسًا: أثر أعمال «حزب الله» غير القانونية على الاقتصاد اللبناني
1 – التهريب، المخدرات والمربعات الأمنية
بعد فرض عقوبات عليه وعلى إيران، بات «حزب الله» أكثر إستقتالا لتأمين مصادر دخل جديدة يحصل عليها من خلال أعماله غير القانونية المتنوّعة.
يتمتع «حزب الله» بنفوذ كبير جدًا على منافذ لبنان الخارجية، بخاصة في مطار ومرفأ بيروت. كما على المنافذ الحدودية البرية مع سوريا، حيث يعارض «حزب الله» ترسيم هذه الحدود وضبطها، لأنها تؤمن له مصدرًا للدخل المالي كما حرية الحركة العسكرية بين لبنان وسوريا.
يُتهم «حزب الله» برعايته شتى أنواع التهريب، وبخاصة تهريب المخدرات التي أثرت على سمعة لبنان في الخارج وجعلت المؤسسات والشركات اللبنانية عرضة للعقوبات الناتجة عن سلوك «حزب الله». كما أدت إلى زعزعة تجارة لبنان وعلاقاته الخارجية التي تأثرت بعمليات تهريب المخدرات، وبخاصة تلك التي تتعلق بتهريب حبوب الكابتاغون إلى المملكة العربية السعودية، والتي أثرت، بشكل مباشر، على عملية تصدير الخضار والفاكهة من لبنان التي منعت المملكة دخولها إليها، وبالتالي على القطاع الزراعي اللبناني.
بالإضافة إلى ذلك، تحوي المربعات الأمنية الواقعة تحت سلطة «حزب الله» عددًا كبيرًا من المطلوبين، وتنتشر فيها أعمال مخالفة للقوانين، وتشكل ملاذاً آمناً للخارجين عن القانون. كذلك الأمر، إستخدم «حزب الله» طرق التهريب غير الشرعية لنقل مادتي المازوت والطحين إلى سوريا، وهي المواد التي كان المصرف المركزي يدعمها من إحتياطي العملات الصعبة التي يملكها، فيشتريها «حزب الله» بسعر مدعوم في لبنان، ويبيعها في سوريا باسعار مرتفعة.
لم يقتصر التهريب على الوقود والقمح ومشتقاته فقط، بل تعداه ليشمل الأدوية والمعدات الطبية والسلع والمواد الغذائية، خصوصًا في ظل سياسة الدعم التي أدارتها الحكومة والتي استفاد منها التجار وكبار المهرّبين، وهو ما أثر بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني، عبر إستخدام مليارات الدولارات من الأسواق اللبنانية لتأمين مستوردات النظام السوري والأسواق السورية، وأنتج، على الأثر، أزمة سيولة بالدولار الأميركي في الأسواق اللبنانية.
2 – التهرب الجمركي والضريبي
إن نفوذ «حزب الله» على مختلف المعابر اللبنانية، البحرية والجوية والبرية، ساعده ليتهرّب من دفع الرسوم الجمركية. فالحرب يُدخل بضائع ومساعدات وعتادًا وسلاحًا من إيران، وكل ذلك باعترافه، ولا يدفع على أي من بضائعه رسومًا جمركية.
بحسب معظم الدراسات البحثية، تلامس ميزانية «حزب الله» السنوية حوالى المليار دولار، منها نحو 500 مليون تُدفع كمساعدات اجتماعية ورواتب لمقاتليه، كما لموظفيه في مؤسساته التربوية والاجتماعية والطبية والتجارية والإعلامية، وهي تتهرّب في معظم الأحيان من دفع الضرائب والرسوم، متذرعة بطبيعة عملها السري.
بالإضافة إلى ذلك، فرض «حزب الله» مربعات أمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي مناطق نفوذه في الجنوب والبقاع، بحيث بات يصعب على الدولة دخول هذه المناطق لجباية الضرائب والرسوم وفواتير الخدمات العامة. كما تشهد مناطق نفوذ «حزب الله» الكثير من التعديات على الأملاك العامة كمحوّلات الكهرباء والأملاك البحرية والنهرية، ويقوم الحزب بتغطية المعتدين على هذه الأملاك ومساندتهم ضد الدولة اللبنانية.
3 – إستغلال النفوذ داخل الدولة
يستفيد «حزب الله» من تحالفاته السياسية الداخلية، كما يستفيد من المنظومة التي أسسها داخل الإدارات والمؤسسات الرسمية لتحقيق مكاسب اقتصادية عبر استغلال نفوذه لفوز شركات تابعة له بتلزيمات من الدولة اللبنانية، أو لإعفاء شركات أخرى من دفع الضرائب.
ومن الأمثلة على ذلك، التعاون بين «حزب الله» ووزير الأشغال العامة والنقل السابق يوسف فنيانوس الذي أصدرت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بحقه، بفعل دوره في ضمان فوز شركتين تابعتين للحزب بعقود حكومية بقيمة ملايين الدولارات، ومن الأمثلة الأخرى أيضًا، إستغلال «حزب الله» علاقته بوزير المالية السابق علي حسن خليل، الذي أُدرج هو أيضًا على لائحة العقوبات الأميركية، بعدما ساعد «حزب الله» في تحقيق مكاسب مالية ونقل أموال إلى مؤسسات مرتبطة بـ«حزب الله»، وبشكل يجنّبها فرض عقوبات أميركية عليها.
سادسًا: عرقلة «حزب الله» للإصلاحات الاقتصادية
رفض «حزب الله» للسياسيات الإصلاحية له عدة أسباب، فهو بالدرجة الأولى يعتمد سياسة شعبوية تهدف إلى إستقطاب الرأي العام واسترضائه عبر رفض فرض ضرائب جديدة، ورفض وقف سياسات الدعم الخاطئة، حتى ولو أدى ذلك إلى إنهيار اقتصادي أعمق. وقد كان الحزب من أشد مؤيدي إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ومارس الحشو الوظيفي في الإدارات والمؤسسات العامة، هذا بالإضافة إلى رفض لجوء لبنان إلى صندوق النقد الدولي من أجل إقرار خطة للتعافي.
شارك «حزب الله» في كل الحكومات التي اتخذت قرارات سيئة أدت إلى الأزمة الاقتصادية الحالية، كما ضغط بقوة لعدم ترشيد الدعم متجاهلاً آراء الخبراء وأصحاب الإختصاص وصرخات المودعين. وكانت النتيجة صرف 9 إلى 10 مليارات دولار ذَهَبَ معظمها إلى المستوردين والتجار والمهرّبين والمخزنين.
كذلك الأمر، يُصرّ «حزب الله» وحركة «أمل» على إسناد وزارة المالية لوزير من الطائفة الشيعية من حصتهما، بينما الوزارة هذه هي المسؤولة الأولى عن وضع سياسات الجباية والإنفاق وطرح وتنفيذ الإصلاحات عبر الموازنة ورعاية الإنفاق التنموي الإستثماري، وهي كلها مهمات فشلت فيها وزارة المالية على مدى سنوات من تراكم الأخطاء؟
من ناحية أخرى، يرفض «حزب الله» لجوء لبنان إلى صندوق النقد الدولي، كما تطبيق خطط إصلاحية تفترض إعادة هيكلة الإدارة اللبنانية والتخلّي عن آلاف الوظائف الوهمية والموظفين الذين زرعهم «حزب الله» وحلفاؤه في الإدارات العامة والمؤسسات الرسمية.
هذا ويرفض «حزب الله» تنفيذ إصلاحات هيكلية في الاقتصاد اللبناني لسببين أساسيين: يعود الأول إلى أن الخطة الإصلاحية سوف تؤدي إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على حدودها البرية ومرافقها البحرية والجوية، مما يُفقد الحزب القدرة على حرية التحرك والمناورة العسكرية والسياسية من جهة، ومئات الملايين من الدولارات التي يموّل بواسطتها منظومته الاجتماعية والعسكرية والصحية والإدارية، أكان من خزينة الدولة أم من خلال الأعمال المخالفة للقوانين من جهة أخرى.
أما الثاني، فهو الإصرار على التخلّف عن دفع الديون المستحقة على الدولة اللبنانية لمنع أي تعاون بين لبنان والمؤسسات المالية الدولية من شأنه إعادة ربط الاقتصاد اللبناني بالقواعد القانونية والتجارية للاقتصاد العالمي، مما ينعكس على موقع لبنان السياسي ويعيده إلى كنف الشرعيتين العربية والدولية بعيدًا عن النفوذ الإيراني.
سابعًا: حروب «حزب الله» وتعطيل المؤسسات اللبنانية
1 – حروب «حزب الله» في الداخل والخارج
إستخدام «حزب الله» لسلاحه في الخارج والداخل رتب أضرارًا جسمية على الخزينة اللبنانية والاقتصاد اللبناني، وانقسمت ما بين تكاليف ناتجة عن الأضرار كما هي الحال بالنسبة لنتائج حرب تموز مثلاً، وتكاليف ناتجة عن تراجع النمو ووقف الإستثمار نتيجة حالة عدم الإستقرار التي خلّفها إستخدام السلاح.
نتيجة لحرب تموز عام 2006 التي بدأها «حزب الله» عبر أسر جنود داخل إسرائيل، بلغ حجم الخسائر على الاقتصاد اللبناني والمالية العامة حوالي 1.6 مليار دولار أميركي، وذلك من دون الأخذ في الإعتبار الكلفة الإجمالية لأضرار البنية التحتية، وما تحمّلته الخزينة من نفقات إعادة الأعمار.
في 7 أيار 2008، إجتاح «حزب الله» بيروت وبعض المناطق الأخرى، ونفذ سلسلة إعتداءات على السكان وعلى المرافق الاقتصادية والخدماتية، وأقفل المطار اللبناني عبر قطع الطريق المؤدية إليه. هذه الغزوة أثرت على الاقتصاد اللبناني وعلى ثقة المستثمرين وعلى السياحة وكادت تسبب حربًا أهلية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الغزوة لم تكن المرة الوحيدة التي استخدم فيها «حزب الله» سلاحه في الداخل، بل هذا ما قام به كلما دعت الحاجة لمحاولة الضغط لتحقيق مكاسب كما حصل في آب 2021 في خلدة، وفي تشرين الأول من العام نفسه في عين الزمانة والطيونة في محاولة لعرقلة التحقيق في قضية إنفجار المرفا.
إنعكس تدخل «حزب الله» بالحرب السورية بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني كذلك، إذ انخفض نمو الناتج المحلي في لبنان من 8.04 في المئة عام 2010 إلى 0.92 في المئة عام 2011 ، وتراجع الإستثمار الأجنبي المباشر من 4.96 مليار دولار عام 2010 إلى 3.5 مليار دولار عام 2011.
2 – تعطيل المؤسسات اللبنانية
ساهم تعطيل «حزب الله» لعمل السلطات في التحضير للأزمة الاقتصادية ومن ثم تعميقها.
بعد انتهاء حرب تموز، لجأ «حزب الله» ومعه حركة «أمل» إلى الإستقالة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، مطالبين بتوسيع الحكومة وإعطاء المعارضة التي ينتمون لصفوفها الثلث المعطّل، كما أقاموا إعتصامًا في وسط بيروت، ونفذوا سلسلة من الإضرابات الإحتجاجية طيلة العام 2007 تحوّلت في بعض الأحيان إلى مواجهات في الشارع.
فرض «مخيم حزب الله» الإعتراضي في وسط بيروت على عدد كبير من الأسواق والمحال التجارية إغلاق أبوابها، فأثر ذلك على النمو الاقتصادي بعدما شلّ وسط لبنان التجاري. هذا ودام إعتصام «حزب الله» وحلفاؤه 18 شهرًا، وانتهى مع إعلان إتفاق الدوحة في 21 أيار 2008. طيلة تلك الفترة، غاب الإنتظام عن عمل المؤسسات الدستورية، وأُقفلت أبواب مجلس النواب ما حال دون إقرار الموازنة ومشاريع واقتراحات قوانين مفيدة للاقتصاد اللبناني.
لم يكد لبنان يستعيد عافيته السياسية وانتظام عمل المؤسسات، حتى عادت الأزمة السياسية من جديد عبر إسقاط «حزب الله» وحلفاءه لحكومة سعد الحريري أثناء لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض. فأدى تعامل «حزب الله» مع مؤسسات الدولة بهذا الشكل غير المسؤول الى تكبّد الخزينة اللبنانية خسائر بالمليارات، باعتبار أن عدم إنتظام المؤسسات يُحدث خللاً أكيدًا في المالية العامة.
دخل لبنان في فراغ رئاسي عام 2014 واستمر حتى العام 2016، بسبب إصرار «حزب الله» على وصول الرئيس ميشال عون الى سدة الرئاسة. في تلك الفترة ساء الوضع الاقتصادي، وهبط النمو عام 2015 إلى 0.42 في المئة، وبات معدله بين العام 2011 و2016 حوالى 1.7 في المئة، بعدما كان 8 و9 و10 في المئة بين 2007 و2010. هذا من دون ذكر تأثير سياسات «حزب الله» الداخلية والخارجية على تراجع قدوم الخليجيين للسياحة والإستثمار في لبنان، وتراجع أشكال تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر خلال فترة الفراغ الرئاسي وتعطيل «حزب الله» للانتخابات الرئاسية الى حين قبول الجميع بوصول العماد ميشال عون إلى الكرسي الرئاسي.
خاتمة
يتبيّن مما سبق ذكره أنه كان لـ«حزب الله» دور مؤثر في زعزعة الإستقرار الاقتصادي في لبنان، وذلك بشكل مستمر وعلى مدى سنوات طويلة. هذا الدور ناتج عن عدة أسباب، منها سياسية واستراتيجية للحزب وللمحور الإيراني، لا تأخذ في الإعتبار المصلحة اللبنانية، كما هي الحال بالنسبة للأزمة مع الخليج ومع باقي دول العالم، ومنها ما هو عائد إلى مصالح اقتصادية للحزب كما هي الحال بالنسبة للتهريب واستغلال موارد الدولة والتهرّب الجمركي والضريبي، ومنها ما هو عقائدي، كما هي الحال بالنسبة لتغيير النظام المالي القائم والإطاحة بالنظام المصرفي اللبناني.
أهداف «حزب الله» جعلت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، لا يفوّت مناسبة إلا ويذكّر بأهمية الحفاظ على النظام الاقتصادي اللبناني، وآخرها كان في عظة عيد مار مارون عام 2022 حين قال إن واحدة من ميزات لبنان الأساسية هي «اقتصاده الليبرالي ونظامه المصرفي».
يبقى السؤال، ما الذي سيشكل رادعًا لـ«حزب الله» لعدم الإستمرار بالإستيلاء والسطوة على كل مقوّمات الدولة في لبنان؟ وما الذي سيوقفه عن إستنزاف الاقتصاد الذي وصل إلى القعر؟ وهل سيتمكن «حزب الله» من تحقيق أهدافه بتغيير صيغة النظام الاقتصادي في لبنان؟
ـ مكتب الأبحاث ـ دائرة الإعداد والتدريب ـ جهاز التنشئة السياسية في حزب “القوات اللبنانية”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]