#dfp #adsense

هل يستحيل تزويج الديمقراطية على التوافق؟

حجم الخط

عند كل منعطف سياسي، وما أكثر المنعطفات في السنوات الأخيرة، تبرز إشكالية ملتبسة وراء شعار حق يُراد به باطل، وهو “التوافق والشراكة”.

صحيح أن لبنان ارتكز على مبدأ الشراكة منذ قيامه، وعلى فلسفة التوافق بين مكوّناته وطوائفه تحت عنوان “العيش المشترك”، غير أن ممارسة هذا العنوان، منذ قيام الثنائيتين بين “حزب اللّه” و”حركة أمل” من جهة، وبينه وبين “التيّار العوني” من جهة مقابلة (وهو ثنائي يهتز ولا يقع بفعل السلاح)، أطاحت أو كادت تطيح الحياة الديمقراطية بمفهومها العلمي السليم بين أكثرية تحكم وأقلية تعارض.

وقد بات “التوافق” شمّاعة يستخدمها “الثنائيان”، وتحديداً “الثنائي الشيعي”، لتعليق اللعبة الديمقراطية، وتجويف مبدأ الموالاة والمعارضة، بما يُخفي نية السطو والسيطرة على القرار السياسي وشرعية الدولة، وهي نية باتت مكشوفة ومعلنة، فضحتها الممارسة الحاصلة راهناً في جلسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

وهذا الهدف ظهر واضحاً في الأيام القليلة الفائتة من خلال طرح الرئيس نبيه بري المقايضة بين الحوار وجلسات الانتخاب، فإمّا حوار بين الكتل وإمّا جلسات انتخاب بلا حوار.

ولا يخفى أن الفصل بينهما يضرب كلياً مبدأ الاقتراع السري، أي المبدأ الديمقراطي الذي يشكّل الركيزة الأساس للحياة البرلمانية تشريعاً ورقابةً واقتراعاً. وقد أكدّ بري، في إلغائه جلسة الحوار غداً الخميس بحجّة “الرفض المسيحي”، هذه المعادلة غير الطبيعية بالتخيير القسري بين الحوار والانتخاب، إمّا هذا وإمّا ذاك، وكأنهما خطّان متوازيان لا يلتقيان أبداً.

بينما كان في الإمكان، وبكل سهولة، اعتماد مبدأ الحوار، أي التوافق، بالتزامن والتقاطع مع المبدأ الديمقراطي، أي الانتخاب.

ويمكن، بكل سهولة أيضاً، عقد جلسة انتخاب مفتوحة على تأمين النصابَين معاً: نصاب الحوار ونصاب الانتخاب، فتتعاقب دورات الاقتراع مع جلسات المشاورات والحوار والتوافق، إلى أن يخرج الدخان الأبيض من ساحة النجمة.

وهذه الآلية البسيطة تحقق هدفين في آنٍ واحد: كفّ يد التدخل الخارجي والتسويات المفروضة، فيُنتخب رئيس صُنع في لبنان.

وإنقاذ العمل الديمقراطي البرلماني للمحافظة على الحالة الفريدة التي جسّدها لبنان منذ نشوئه، كبيئة حضارية ديمقراطية متقدمة في المنطقة، ونموذج رائد لما يُسمّى ب”الديمقراطية التوافقية”.

وليس مستحيلاً أبداً تجديد زواج التوافق على الديمقراطية، وقد كان زواجاً ناجحاً في السابق، وأنجب مؤسسات رائدة واستقراراً اقتصادياً واجتماعياً، وحتى سياسياً، في عهود القرن العشرين، خصوصاً عهدَي الرئيسَين كميل شمعون وفؤاد شهاب، برغم الخضّات الناتجة في معظمها من انعكاس الصراعات الخارجية.

إن تزويج التوافق على الديمقراطية يشكّل حلّاً للدول ذات التشكيلات المتنوعة والوضع الديموغرافي التعددي كلبنان، جرّبناه في القرن الفائت وحصدنا نجاحاته، فلنعُد إلى اعتماده الآن.

وهذا يتطلّب “أريحية” من الرئيس بري شخصياً، وتقبّلاً من فريق التعطيل الذي يشلً الديمقراطية ويطلّقها من التوافق، بينما المطلوب عقد قرانهما الطوعي الإيجابي من أجل عائلة سعيدة، لا يهدّدها خطر الطلاق.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل