
لماذا يريدُ الإستقواءُ البربريُّ إعادةَ تدويرِ همجيّةٍ تُدحرِجُ الأحداثَ الى قراءةٍ لا تتركُ مجالاً للشكِّ في أنّ ما وراءَها غيرُ بريءٍ، لا بل مَلعون؟ هل يَحسبُ هذا الإستقواءُ أنّ فرطَ القوةِ يستطيعُ أن يرسِّخَ أبديّةَ هيمنتِهِ، ويفرضَ إيديولوجيّةَ الموتِ، والتّرهيبِ، والقمع؟ هل أرادَ هذا الإستقواءُ تبليغَ رسالةٍ ” أَخَويّةٍ ” لتظهيرِ مشهدٍ لا يزالُ في دائرةِ النّار، من خلالِ ” غزوةٍ ” للأشرفيّة، لا تدخلُ في أيِّ مُعجَمٍ مَوزون؟
مهما كانت قراءةُ ما جرى، بالأمسِ، هادئةً، غيرَ أنّ وظيفةَ ما جرى نحرَت، بالسّلوكِ الهمجيِّ، كلَّ ما تفوَّهَ بهِ القادةُ المَيامين، والمُمسِكون بزمامِ التَعَدّي، من طرحٍ للحوار، وللتّفاهم، وللتّلاقي… وبالتالي، سَحَلَت جُمَلُهم المُفَكَّكةُ والمشَوَّهةُ كلَّ تَنَصُّلٍ من مسؤوليّتِهم لهمجيّةِ الغَزوةِ، تحتَ ذرائعَ هي لوثةُ الكَذِبِ الرّديء.
إذا كانتِ الدولةُ، عندَنا، نظريّةً، وهيكلاً مُنهاراً، وإذا كان زواجُ اللبنانيّين، بحسبِ كثيرين، زواجَ تَكاذُبٍ ومُراوَغة، هل يحسبُ المُستَغِلّونَ ذَوو الإنتدابِ الأَعوَر، أنّ إيقاعَ الفتنةِ بينَ شَعبَي الوطنِ، ستأتي نتائجُهُ لمصلحتِهم ؟ وإذا كانَ مَنْ لهم صِلةٌ بالعنفِ، والقتل، يعتبرونَ أنّ ” الفريقَ الآخرَ “، كما يحلو لهم تَسميتُهُ، هو مجموعةُ عُرجانٍ ومُكَرسَحين، وفرقةُ حَمَلَةِ العكاكيزِ، فإنّ اعتبارَهم مُعوَجٌّ مَقيت.
لم نَفهمْ همجيّةَ غزوةِ الأشرفيّة، إلّا محاولةً لرَدِّ الوطنِ الى أتونِ الفِتنةِ الدراماتيكيّة، ومهما تذاكى يابِسو العقولِ في التّمويهِ، فإنّ عناوينَ الغزوةِ تُختَزَلُ بعنوانٍ واحدٍ هو: هَلُمّوا الى الحرب! وهنا، يُطرَحُ السؤال: هل تستطيعُ الوصايةُ الجديدةُ أن تفرضَ نهجَها الذي يهدفُ الى اضمحلالِ الوطن، بوباءٍ خبيثٍ هو الحَرب ؟ أم أنّ التّهويلَ المُتمادي، وبأساليبَ شَتّى، يُفتَرَضُ أن يُطَوِّعَ الأحرارَ، ويُشَرذمَ روحَهم الجهاديّةَ حتى لا يبقى للكرامةِ، في لبنان، مَوطِئ ؟
إنّ مخطّطاتِ التّذويب، والشّرذمَة، والقوقَعَة، وتَفريغِ الوطنِ من المُتَجَذِّرين في كيانِه، قوبِلَت، وعلى مدى عُقود، بتَحَدٍّ موصوف، وبشلّالٍ من الرِّجال، لأنّ هؤلاءِ رفضوا، في الأساس، اعتبارَهم أقليّةً عِرقيّةً في نسيجٍ أكثَرِيٍّ مُغايِر، وكانوا في أساسِ التّركيبةِ المُعجِزةِ للبنان، موطناً للجميعِ يُرسِّخُ التعدّديةَ، ويجمعُ بين القواسم، على أنقاضِ بروتوتيباتٍ باليةٍ، ومفاهيمَ جاهليّةٍ ملتويةٍ تنطوي على نظرةٍ دُونيّةٍ يمارسُها الأكثرُ ديموغرافيّةً على الأقَلّ.
إنّ مسيرةَ هذا ” الفريقِ الآخر ” قد تكافلَت مع معتقَدِهِ المرتَكِزِ على أساسٍ واحدٍ هو حفظُ حقِّ الكرامةِ الوطنية، هذه التي شوَّهَها خطابُ الكفرِ بالوطن، والإنحرافُ صوبَ ولاءٍ عَميلٍ لحيثيّةٍ هجينةٍ تمثِّلُ انهياراً للسيادة، وتسطيحاً لفكرةِ الدولة. من هنا، فموسميّةُ الهجماتِ الغَزَواتيّةِ لن تمرَّ، ولن يقبلَ بها ناسُ هذا الفريق، ولَو صيغَ لها ألفُ حجّةٍ سفسطايّة. لكنّ تكرارَها جعلَ مَدَّ الجُسورِ بين شعاراتِها المُنَفِّرة، وبين الناسِ النّابِضينَ بالكرامة، والتّائقينَ الى عيشٍ حُرٍّ في بلدٍ سيّدِ نفسِه وقرارِه، في خطرٍ داهِم.
إنّ قيادِيّي الغزواتِ الهمجيّةِ لم يتلقّوا سوى الخيبةِ، ولن يتلقَّوا غيرَها إذا كرّروا، فهم يُشبِهون، الى حدٍّ واسعٍ، حالَ النّائمِ مع أحلامِه، فقد يحسبُ الغائصُ في النّومِ أنّ حلمَهُ حقيقةٌ لا رَيبَ فيها، يعيشُها باندفاع، لكنّ استيقاظَه يشكّلُ خاتمةً بائسةً لسَرابٍ هائم، فيتشقَّقُ أملُهُ الكرتونيّ، ويتحوّلُ الى إحباطٍ ويأس، فكأنّ حلمَهُ كقطعةِ زجاجٍ أصابَتها رَكلَة.
إنّ التّرابطَ الجَذريَّ بالوطن، هو حالةٌ علائقيّةٌ عُضويّةٌ بين إنسانِ هذا ” الفريقِ الآخر ” والأرض، وهو حيثيّةٌ وجوديّةٌ مَعيوشةٌ، وليسَت صناعيّةً، بل إيمانيّةً بامتياز. لقد عاشَ هذا ” الفريقُ الآخرُ ” انتداباتٍ متلاحقة، ونهشَهُ ظُلمُها، وكانت مؤامراتُها عصاً غليظةً فوقَ تَماسُكِهِ، وبقائِهِ في أرضِه، لكنّ وثيقةَ الوقائعِ، ومُدَوَّنةَ تسلسلِ الأحداث، حفظَتا، وللتاريخ، أنّ رصيدَ العنفوانِ في هذا ” الفريق “، يغتذي من عِشقِ الوطن، لِذا، لم يتساهلْ في مواجهة، ولم يتراجعْ أمامَ خَطر، ولم يُضَيِّعْ همَّةً للدفاعِ عن حقِّهِ في الإنتماء، ولَو على كلِّ شِبرٍ من الأرضِ شهيد.