ماذا نقدّم لك أيها المسيح؟

حجم الخط

 شارل مالك ـ “المسيرة” – العدد 1735

هل وصلنا في عمق خبرتنا الروحية الشخصية إلى اليقين أن المسيح، الذي نحتفل بعيد میلاده اليوم، هو بالذات صورة الله الذي لا يُرى، وأن الخلائق كلها – من عظمة بشرية، ومن فكر سام، ومن إنجازات تاريخية – الخلائق كلها لا تقابلُه، بل إنه هو خالقها؟ أيها الأخوة، ما لم نقدّر هذا كله بالفعل في حياتنا وعمق وجودنا، لا نعرف بعيد ميلاد مَن نحن نحتفل اليوم.

هذا الذي وُلد اليوم، هذا الذي أحبّ وتألم ومات وقام في اليوم الثالث، واتحد بالآب، هذا الذي أطلق كنيسته العظيمة في التاريخ – «كنيسة الله الحيّ، عمود الحق وركنه» – هذا ذاته ننتظر مجيئه ثانية. فكما أن العيش في هذه الحياة الدنيا لا يعادل شيئاً – «ما بیسوی شي» – بدون المسيح وما عناه في التاريخ والعالم، وفي حياتنا نحن، هكذا التطلّع إلى أي شيء في المستقبل – إلى الصحة والعيش الهنيء، إلى النجاح في خططنا وأشغالنا، إلى توفيق أولادنا وأحبائنا، إلى إنماء بلادنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي وحتى الروحي، إلى البحبوحة والضمان والسلام – أقول التطلّع إلى أي شيء في المستقبل لا يعني شيئاً – «ما بيسوى شي» ـ إذا لم يقترن ويُتوّج بالتطلّع الأكيد الى مجيء المسيح الثاني في التاريخ وبالفعل. «إذا كان رجاؤنا في المسيح مقصورًا على هذه الحياة، فنحن أشقى الناس أجمعين». هذا ما شدد عليه بولس. هذا ما وعد به المسيح ذاته. هذا ما قاله الملاكان للتلاميذ عندما كانت عيونهم شاخصة إلى العلى وهو صاعد إلى السماء: «أيها الجليليون ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء. فيسوع هذا الذي رُفع عنكم سيعود كما رأيتموه ذاهبًا إلى السماء». لذلك ننتظر مجيئك يا رب! «آمین! تعال أيها الرب يسوع».

عظيم أن نفكر اليوم في يوسف ومريم وبيت لحم.

عظيم أن نفكر في المغارة والمذود.

عظيم أن نفكر في الرعاة والملائكة.

عظيم أن نفكر في المجوس الآتين من المشرق بالهدايا: الذهب واللبان والمر التي قدموها إلى الطفل يسوع.

عظيم أن نفكر في النجم الذي أنبأ المجوس بولادة الرب والملك.

عظيم أن نسمع الملائكة يسبِّحون: «المجد الله في العلى! وعلى الأرض السلام! وفي الناس المسرّة!» ليس أعظم وليس أسرّ وأبهج من هذه الذكريات والصور التي نحملها من طفولتنا، والتي حملها آباؤنا وأجدادنا طوال ألفي سنة خلت.

ولكن حري بنا أن نفكر في صاحب العيد ذاته، في مَن هو.

في الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس.

في الإله الذي تأنس من أجلنا نحن البشر.

في الإله الكامل والإنسان الكامل معًا.

في رأس الكنيسة، هذه التي نحتفل اليوم بعيد ميلاده بمئات ملايينها.

في مخلّصي أنا ومخلّصكم أنتم ومخلّص العالم من ظلمات الشيطان.

المهم التركيز على المسيح، التفكير فيه، العيش معه وبقربه، الشهادة له، التنبّه لفعله وأثره، لكيانه وشخصه هو. المهم كل هذا، لا خطايانا وتشكيكاتنا، ولا أوهاننا وتصوّراتنا، وبكل تأكيد، لا عظمتنا ولا قداستنا ولا تقوانا. المهم هو هو، لا نحن. لنعش في المسيح، هذا الذي تحتفل بعيد ميلاده اليوم، ولننسَ أنفسنا ولننسَ العالم. والمسيح الموجود، بمئة معنى من الوجود، المسيح الحيّ، بمئة معنى من الحياة، المسيح الكائن الفاعل، الذي نعيش فيه، هو الذي يُعيد أنفسنا إلينا، وهو الذي يعيدنا إلى العالم ويُعيد العالم إلينا.

في منتصف ليل 25 كانون الأول، يُتلى ويُرنّم عبر التاريخ في جميع الكنائس المتفرّعة من الكنيسة البيزنطية، لمناسبة عيد الميلاد المجيد: «ماذا نقدم لك أيها المسيح؟ لأنك ظهرت على الأرض كإنسان لأجلنا. فكل فرد من المخلوقات التي أبدعتها يقدم لك شكرًا.

فالملائكة التسبيح. والسماوات الكوكب. والمجوس الهدايا. والرعاة التعجّب. والأرض المغارة. والقفر المذود. وأما نحن فأُمًا بتولاً. فيا أيها الإله الذي قبل الدهور، إرحمنا».

ـ  من كتاب «به كان كل شيء» ـ شهادة مؤمن

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل