#dfp #adsense

انحني… هللويا!

حجم الخط

كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1735

إنحني.. “هنا ولد المسيح يسوع

من العذراء مريم”… هللويا!

هنا كنيسة المهد.. هنا مغارة ومزود ونجمة.. هنا شعَّت السماوات واهتزت الأرض لفرح عظيم.. هنا مجوس ورعاة رأوا ولمسوا وشهدوا ما لم تبصره عين وما لم تسمعه أذن… هنا الكلمة صارت بشرًا وسكن بيننا.. هنا تنحني الرؤوس مهما كبرت قبل أن تدخل ذاك المهد.. هنا أرض مقدَّسة وصرحٌ تاريخي وأجراس تُقرع  وملائكة تسبّح وتصدح بأجمل حكاية عرفها هذا الكون.. هنا أقدم كنائس العالم تحتضن البشارة الأعظم، هنا نجمة فضية تعلن للعالم قاطبة «هنا ولد المسيح يسوع من العذراء مريم»، وهنا.. أنعم الله على العالم بكنيسة دهرية تهلّل منذ آلاف آلاف السنين بحكايا ميلاد إبنه العجيب، تراه ما حكايتها؟ وكيف كان لها هذا أن تكرّس كنيسة ميلاد الطفل الإله؟

نعم هي كنيسة المهد.. قبلة العالم شرقاً وغرباً مع حلول كل ميلاد.. الأشهر والأقدم في تلك الأرض المقدَّسة، وقلب بيت لحم النابض، وأول موقع فلسطيني يُدرج على قائمة التراث العالمي.. سجلٌ ماسي يضجُّ عراقة وتراثاً وبعداً روحياً ودينياً.. هي تاريخ يروي تاريخ قلب العالم رأساً على عقب، معه وبه صار للبشرية جمعاء فجرٌ جديد.

كان ذلك على عهد الإمبراطورية الرومانية، عهدٌ وثني أدمن إضطهاد المسيحيين، وقد هاله الإعتناق المتصاعد للمسيحية مع ما تسبب به ذلك من خسائر وحرمان من القرابين والهبات درج الناس على تقديمها للمعابد كما للإمبراطور شخصياً. وكانت العلامة الفارقة في النصف الأول للقرن الرابع، مع تولّي الإمبراطور قسطنطين العظيم، عرش الإمبراطورية الرومانية.

تقول الحكاية، إن والدة الإمبراطور الملكة هيلانة، إعتنقت المسيحية، فيما أراد قسطنطين أن يكسب المسيحيين في أرجاء إمبراطوريته، فأظهر عطفاً عليهم، وليعتنق لاحقا المسيحية ويجعلها الديانة الرسمية لرعيته.

الملكة على خطى المسيح

326 وكان الحدث الكبيرعام… الملكة هيلانة قررت القيام بزيارة حج لفلسطين، أرادتها على خطى المسيح، متعقبة كلَّ ما داسته أقدام إبن الله  في تلك الأراضي المقدّسة، من موضع ولادته فإلى المواقع المهمة التي ارتادها وشهدت مراحل حياته، وأماكن ترحاله، وصولاً الى مكان صلبه ودفنه.

إلى بيت لحم، على بعد عشرة كيلومترات من القدس، توجَّهت الملكة البيزنطية. هناك، أرشدها مسيحيو تلك المدينة الى تلك المغارة، لتستمع هناك «مسحورة» إلى حكاية ميلاد مسيحها. رووا لها أن العذراء مريم ولدت إبنها في مذود في مغارة، حيث إن البيوت هناك كانت تُبنى على كهف أو مغارة  تُخصّص للماشية، وأن مريم ويوسف لم يجدا مكاناً لهما في المنازل لإزدحامها. وبهذا لم يكن لهما سوى أخذ مكان بين الحيوانات في مغارة، وهذا ما أكده القديس لوقا البشير في إنجيله «فولدت إبنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود، إذ لم يكن لهما موضع في المنزل».

وفي حضرة الملكة البيزنطية وتعطشها لحكاية ميلاد يسوع، استرسل مسيحيو بيت لحم وحكوا لها كيف جاء مجوس من المشرق إلى القدس يسألون عن الطفل العجيب، وكيف ساروا نحو بيت لحم خلف النجم الذي تراءى لهم، وتوقفوا أمام المغارة حيث الطفل يسوع وأمه، ففتحوا كنوزهم، وقدموا له ذهباً ولباناً ومراً .

وكانت كنيسة المهد..

لم تتأخر الملكة عن أداء المهمة، ففي تلك المغارة حيث ولد المسيح، اختارت هيلانة بناء كنيسة ضخمة، وكان لها ذلك بأمر من إبنها الإمبراطور قسطنطين، فكان البناء الأول لكنيسة المهد الذي اكتمل عام 339.

وهناك ارتفع البناء العثماني الشكل وفي قلبه مثمناً فيه فتحة تؤدي إلى مغارة الميلاد، وأضيفت له البازليكا ذات الأعمدة الوردية وزينت الأرضية بالرخام والفسيفساء والزخارف الجميلة، لتنتهي ببهو محاط بالأعمدة يُطلّ على مدينة بيت لحم.

الكنيسة الأولى في مرمى الغزاة

وهكذا وببنائها، اعتُبرت كنيسة المهد، الكنيسة الأولى من بين الكنائس الثلاثة التي بناها الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع الميلادي، وهي أقدم كنائس فلسطين حيث تُقام فيها الطقوس الدينية منذ القرن السادس الميلادي.

من حكايا المؤرخين، إن الكنيسة لم تنجُ من إعتداءات الغزاة، حيث تعرَّضت للدمار مرات عديدة كان أولها عام 529م، بعد أن  قامت ثورة، عُرفت بثورة السامريين ضد البيزنطيين، مما دفع الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإعادة بنائها على نفس موقعها القديم ولكن بمساحة أكبر حوالي العام 540.

واستمرت الكنيسة عبر العصور وحافظت على شكلها حتى يومنا هذا مع العديد من الترميمات والإضافات في محيطها، كما أضيفت لاحقاً ثلاثة أمكنة جانبية للصلاة على أنقاض المبنى المثمن الأضلاع. وتمت إقامة درج يسهل الوصول إلى المغارة.

عام 614،  وخلال الغزو الفارسي، نجت الكنيسة من الدّمار، حيث دخل الفرس إلى بلاد الشام، وهدموا كثيراً من المباني، لكنهم، وللمفارقة، أبقوا على كنيسة المهد تحديداً، لأنهم رأوا على جدران الواجهة الغربية للكنيسة الصورة التي تمثل المجوس بزيهم الفارسي التقليدي، وهم يقدِّمون الهدايا للطفل الإله .

وبحلول القرن الحادي عشر ارتفعت راية الصليبيين فوق كنيسة المهد، وفيها، تم تتويج بلدوين الأول أول ملك لمملكة بيت المقدس.

ويُروى أن الصليبيين قاموا بتزيين الكنيسة بالفسيفساء على الجدران وبالرسومات على الأعمدة وبالرخام على الأرضيات، لكن لم يبق منها إلا القليل حتى أيامنا بعد التخريب الذي تعرضت له الكنيسة من قبل الجنود الأتراك في الفترة العثمانية.

سر الباب الصغير

وبهدف حمايتِها من الغزّاة ولمكانتِها الدّينيّة، تم تخفيض وتضييق المدخلِ الرئيس لكنيسة المهد تدريجياً، علماً أن لأبواب هذه الكنيسة قصة أخرى، فواجهة الكنيسة الرئيسية المدعَّمة بعدة عقود معمارية والتي بُنيت على مدار السنين، كان فيها 3 أبواب للدخول مرتبة كما يلي: الباب العلوي من فترة الإمبراطور جستنيان، الباب الثاني من الفترة الصليبية، أما الباب الثالث فيعود للفترة العثمانية وهو أصغرها، وبإمكان الزوار رؤية آثار الأبواب التي تعود إلى مختلف الحقب فوق المدخل ذات أسلوب الزخرفة البيزنطية.

أما اليوم فلم يتبق منها سوى باب واحد فقط أضحى بدوره بالغ الصغر وهو عبارة عن مدخل ضيّق منخفض، وصغير لدرجة أنه يجبر الزائر كائناً من كان، على الإنحناء ويُطلق عليه إسم «باب التواضع».  وقد حمل بناء المدخل بهذا الصغر تفسيرات وروايات شتى حيّر المؤرّخين والمهتمين بتاريخ الكنيسة، فذهب البعض إلى القول إن الهدف منه هو إجبار كل زائر على الإنحناء مهما علت منزلته، تكريماً لهذا المكان المقدس الذي ولد فيه السيد المسيح.

آخرون قالوا إن الأمر يتعلق بسهولة إغلاق الباب إذا تعرضت الكنيسة لأي هجوم أو إقتحام. أما الرأي الثالث فيقول إن الباب الصغير يمنع المقاتلين الفرسان من دخول الكنيسة على صهوة خيولهم.

دهليز مظلم الى البازيليك

وبعبور باب كنيسة الميلاد الذي أجبر رؤساء وشخصيات أجنبية وعربية بارزة على الإنحناء لدخولها، ستجد نفسك أمام مدخل ضيق لكأنه دهليز مظلم محاط بجدران تنبض بالعراقة والتاريخ، يعلوها سقف عال مزخرف، يقودك الى باب خشبي نحته فنانون أرمنيون عام 1227 وتبرع به الملك الأرمني هيتوم الثاني، ويوصلك إلى داخل البازيليكا..

أنت الآن في حضرة كنيسة المهد.. بناء ضخم مبهر بتفاصيله، يترامى على مساحة 12 ألف متر مربع، موزعاً على 5 أجنحة، ففي صدر الكنيسة وأوسع أجزائها، 4 صفوف من الأعمدة الحجرية الوردية اللون (44 عموداً) لا زالت تحمل آثار الرسومات القديمة من القديسيين والسيدة العذراء والطفل يسوع، ولم يبق من الموزاييك الذي كان يغطي الجدران سوى آثار قليلة، وكانت الرسوم تمثل شجرة عائلة السيد المسيح في الجزء الجنوبي كما رواها إنجيل القديس متى. وعلى الجزء الشمالي يوجد تصوير للمجامع الكنسية ونقوش تمثل ميلاد المسيح، وأخرى ليوحنا المعمدان يعمّد المسيح في نهر الأردن، وثالثة للعشاء الأخير، فيما فرشت أرض الكنيسة بموزاييك رائع… ولكن ماذا عن المغارة؟

هنا ولد المسيح

في داخل الكنيسة ستجد مجموعتين من السلالم تؤدّي الى أهم معالمها وأكثرها استقطاباً وجذباً للزوار، هي حتماً مغارة المهد حيث ولد المسيح.

لبلوغ المغارة الضيقة التي لا تتسع إلا لعدد محدود من الزوار، بابان، أحدهما مُخصّص للدخول والآخر للخروج، ومنهما وعبر عدة درجات من الرخام الأبيض يهبط الزائر إلى المغارة ويصعد منها.

هناك، وأمام الموقع الأكثر خشوعاً ورهبة، ستجد نفسك أمام المذود المزيّن بالمرمر تعلوه النجمة الفضية التي تشير إلى البقعة التي وُلد فيها يسوع والمكتوب عليها باللاتينية: Hic de Virgine Maria Jesus Christus natus est ما معناه: «هنا ولد المسيح يسوع من العذراء مريم»، وقد ارتفعت فوقها القناديل الخمسة عشر التي تمثّل الطوائف المسيحية المختلفة في العالم.

والمغارة عبارة عن شكل قائم الزاوية تغطيه الأقمشة الحريرية الناعمة وأرضيتها من الرخام الأبيض ويزينها الكثير من أيقونات الميلاد والقديسيين، والى جانبها، المغارة التي تُدعى «مغارة المجوس» حيث كان المذود الذي وضع فيه الطفل يسوع، وفي آخر المغارة بابٌ يؤدي بنا إلى مغارات عديدة تحت الأرض للمسيحيين الذين أرادوا دفنهم بالقرب من الأماكن المقدسة ويُفتح هذا الباب خلال الإحتفالات الدينية اللاتينية فقط.

حرب ونزاعات وتقسيم

ولمن لا يعلم، كنيسة المهد هي عبارة عن مجمَّع ديني كبير، يضم  مبنى الكنيسة بالإضافة إلى مجموعة من الأديرة والكنائس الأخرى التي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة، وقد كرَّست مركزاً لحج المسيحيين من كل أنحاء العالم، يأتونها ليعبروا المسار الذي عبره العذراء مريم ويوسف أثناء رحلتهما إلى بيت لحم زمن ولادة المسيح.

ويذكر التاريخ أن إسم الكنيسة ارتبط بحرب كبرى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، المعروفة باسم «حرب القرم»، 1854-1856م، وكانت شرارتها الأولى في كنيسة المهد، حيث تم تبادل الإتهامات بين الطائفة الأرثوذكسية، التي ترعاها روحياً وقتها الإمبراطورية الروسية، والطائفة الكاثوليكية التي تحظى برعاية فرنسا داخل الكنيسة، وبنتيجتها نشبت الحرب بين روسيا الدولة العثمانية من جهة، وإنكلترا وفرنسا من جهة أخرى، وانتهت بهزيمة روسيا، لتنتهي النزاعات إلى الإقرار بإشراف ثلاث طوائف مجتمعة على الكنيسة هي الروم الأرثوذكس، واللاتين الكاثوليك، والأرمن، ولا يزال هذا الوضع قائماً حتى الآن.

وعلى هذا، نرى في واجهة الكنيسة ثلاثة صلبان مختلفة الشكل، يرمز أحدها إلى الكاثوليك الفرنسيسكان، وإلى جواره صليب يتبع الأرثوذكس اليونان، والثالث في الجهة الجنوبية الشرقية على شكل برج يرمز إلى الأرمن الأرثوذكس .

ووفق هذا التقسيم، تُقام الطقوس الدينية في كنيسة المهد من قبل هذه الطوائف بحسب جدول للصلوات وُضع في عهد الدولة العثمانية وما زال يُعمل به حتى يومنا هذا. كما تم تحديد حقوق وصلاحيات كل طائفة مشاركة في الكنيسة. مع الإشارة الى أنه يتم السماح للأقباط والسريان بالصلاة مرتين في السنة داخل الكنيسة.

زمن الميلاد.. الذروة

تشهد كنيسة المهد وساحتها وكل ما يحيط بها ذروة أيامها في زمن الميلاد حيث تتوزع طقوس العيد على ثلاثة تواريخ مختلفة: الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية في 25 كانون الأول، والكنيسة اليونانية والسريانية والمسيحيون الأقباط يحتفلون بتاريخ 6 كانون الثاني، أما المسيحيون الأرمن الأرثوذكس فيحتفلون في 19 كانون الثاني، وتمرُ معظم مواكب عيد الميلاد عبر ساحة كنيسة المهد التي تتزيّن لاستقبال مئات آلاف الحجاج والزوار في عيدي الميلاد ورأس السنة.

وتطلق وزارة السياحة الفلسطينية مع مطلع العام الجديد تطبيقاً يوفر نظام الحجز المسبق لحشود السياح والزوار إلى الكنيسة التاريخية بهدف التخفيف من إزدحام الحشود على بابها، وإلى ضمان تدفق منتظم للسياح الى كنيسة المهد، إذ عادة ما ينتظر الزوار في ساعات الذروة لزيارة مغارة المهد تحت الأرض.

واللافت أن الكنيسة تحولت من مجرد مكان للعبادة والصلاة والحج يؤمه مئات الآلاف سنوياً إلى مزار سياحي لا يقتصر على المسيحيين فقط بل لكافة الأديان والطوائف.

أكثر من ذلك، لم تعد الكنيسة، التي تُعتبر القلب النابض وأحد أهم نقاط الجذب والأكثر زيارة في مدينة بيت لحم، حكرًا على أبناء الطائفة المسيحية وإنما كانت وما زالت مزاراً ومقصداً لمسلمي العالم.

من المعلومات التي لا يتداولها الناس كثيراً، أن المؤرخ إبن الأثير في كتابه الكامل ذكر أن النبي مرَّ ليلة الإسراء ببيت لحم، وصلّى فيها قبل أن يتابع طريقه إلى بيت المقدس .

وعندما قدم الخليفة عمر بن الخطاب ليتسلم مفاتيح بيت المقدس، عرّج على بيت لحم، وأعطى لسكانها أماناً مثل الذي أعطاه لسكان القدس. وبحسب ما ورد في الروايات أن النبي صلّى في الناحية الجنوبية من الكنيسة ، وهو الموضع الذي بنى فيه المسلمون بعد ذلك مسجداً مجاوراً للكنيسة معروفاً باسم «جامع عمر بن الخطاب»، في موقف مشابه لما حدث في كنيسة القيامة بالقدس . وقد تحولت ساحة المهد التي تحتضن على أطرافها مسجداً وكنيسة الى نقطة التجمّع الأولى لأبناء المحافظة في المناسبات الرسمية والشعبية تُعقد فيها جميع الإحتفالات التي تحتضنها مدينة بيت لحم، وكانت في ما مضى وفي بدايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين سوق المدينة ونقطة إلتقاء تجار المنطقة بأهل المدينة وقراها وكذلك زوار الكنيسة من مختلف الأقطار.

حصار يغلق كنيسة المهد 40 يوماً

شكلت الكنيسة في مراحل معينة الملجأ والحماية لأهل مدينة بيت لحم، في أزماتهم وفي أوقات النزاعات والحروب، لاعتقادهم أنه لا يمكن الإعتداء عليها كموقع ديني له أهميته وحرمته، وأبرز مثال على ذلك الحصار الإسرائيلي الذي تعرّضت له الكنيسة لمدة تقارب الـ40 يوماً.

ففي مطلع نيسان 2002، بدأت عملية إجتياح مدينة بيت لحم بالدبابات الإسرائيلية، واحتمى بالكنيسة نحو 300 فلسطيني، من بينهم رجال دين ورهبان، بالإضافة إلى 12 طفلاً. وانضم إليهم عدد من المسلحين الفلسطينيين، بعد أن طوَّقتهم القوات الإسرائيلية، بمن فيهم محافظ بيت لحم، وقد حوصروا جميعًا.

إحتل الجنود الإسرائيليون ساحة الكنيسة والمباني المحيطة بها، وشاركت في الحصار 200 دبابة و3000 جندي، إضافة إلى 30 مروحية مقاتلة. وقامت القوات الإسرائيلية بتفجير الباب الخلفي للكنيسة، كما قتلوا قارع الأجراس الخاص بها، وتركز القناصة حول الكنيسة لإطلاق النار على كل ما يتحرك في فنائها، فيما حاولت القوات الإسرائيلية إقتحامها، أو إجبار المحاصرين على التسليم من خلال منع دخول الأطعمة، والماء، والمواد الطبية، وقطع الكهرباء، لكن كل المحاولات لم تجد نفعاً .

وبحسب روايات الرهبان والمحاصرين، أُضطروا الى طهي أوراق الشجر، وشرب الماء الراكدة في صهريج قديم، بعد القيام بغليه.

أما الكنيسة فقد تعرضت جدارانها للقصف، وتحطمت النوافذ الزجاجية وكذلك بعض التماثيل الموجودة فيها، كما اشتعلت النار في 4 غرف للرهبان .

وبعد مفاوضات، وتدخلات دولية من كل شكل، خرج المحاصرون من كنيسة المهد، يوم الجمعة 10 أيار بعد حصار دام 38 يوماً وأخرجت السلطات الإسرائيلية 13 منهم إلى مطار بن غوريون، حيث تم إبعادهم إلى دول أوروبية، بينما أبعدت 26  شخصًا الى غزة. ليسجل في هذه الفترة إغلاق كنيسة المهد لأول مرة في التاريخ أمام المصلين .

الى قائمة التراث العالمي

تاريخ آخر يلمع في سجل تلك الكنيسة المتجذرة تاريخاً وتراثاً، كان ذلك في 28 حزيران 2012، حين أدرجت كنيسة المهد كأول موقع فلسطيني على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، بطلب عاجل من الفلسطينيين بعد حصولهم على عضوية منظمة اليونيسكو في تشرين الأول 2011 إثر تصويت أغضب الإسرائيليين والأميركيين.

وكانت إسرائيل أكدت أن لا إعتراض لديها على إدراج الموقع في التراث العالمي لكنها احتجت على إستخدام الإجراء العاجل معتبرة أنه «طريقة للتلميح إلى أن إسرائيل لا تحمي الموقع».

وكان تم إدراجها في حينه على لائحة المواقع تحت الخطر وذلك بسبب الأضرار الموجودة في المباني والأسقف وشبكات الكهرباء بسبب تسرّب المياه وتهالك البنية التحتية وعدم إجراء أي أعمال صيانة جذرية منذ القرن التاسع عشر.

وبناءً على ذلك قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبشكل عاجل بتشكيل لجنة رئاسية أوكل إليها التنفيذ والإشراف على جميع أعمال الترميم الضرورية وبدأت أعمال الترميم من15/ 09/ 2013 وانتهت أعمالها الأساسية 16/ 05/ 2019.

مع إنتهاء أعمال الترميم والتدعيم لمبنى الكنيسة وتقديم وزارة السياحة للخطة الإدارية الحامية لموقع التراث العالمي، قررت لجنة التراث العالمي المجتمعة في باكو في حزيران إزالة موقع «مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج» في بيت لحم من قائمة التراث العالمي المهدّد بالخطر، مثنية على جودة الأعمال التي أنجزت في كنيسة المهد، وأعمال ترميم السقف وأبواب وواجهات الكنيسة الخارجية ولوحات الفسيفساء الجدارية فيها. وقد رحبت بقرار التراجع عن مشروع إقامة نفق تحت ساحة المهد، وكذلك باعتماد خطة إدارة وحماية الموقع.

وبذلك إستعادت كنيسة المهد ألقها، تتغاوى تاريخاً وتراثاً، وها هي اليوم تستعد وتتزيّن، في زمن الميلاد، حيث أنظار العالم شاخصة إليها، والى تلك الليلة،  الى تلك المغارة وذاك المذود، ليحتفي على دقات أجراسها مصلياً مبتهلاً ليكون ميلاد ذاك الطفل المخلص بشرى سارّة لكلّ الأمم، هاتفا: «وُلد المسيح.. هلّلويا».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل