Site icon Lebanese Forces Official Website

قصة بطل ـ قصة كمين سيمون الحاج… مقاتل “الصدم” العالق في حب القضية

تعددت صفحات النضال وبقي المضمون واحداً، القضية والمقاومة والشهادة. لكل مقاوم حكاية ومواجهة مع الموت ولكل رفيق طريقه وطريقته. هم أبطال، كانوا في وسط المواجهة، وضعوا حياتهم على كفهم وقدموها عربوناً للوفاء وإصراراً على البقاء. من قلب النار قاوموا، وبحروف من وجع ودم، وقعّوا أعظم الحكايات، ففاح بخور صمودهم على مذبح الوطن، وقصة سيمون نخلة الحاج، واحدة من هذه القصص التي راح يسردها بتفاصيلها، إنما بفرح ربما يخفي ألماً كبيراً.

لم يكن ذاك الـ21 من شباط من العام 1989 يوماً عادياً بالنسبة لسيمون. في هذا التاريخ تغيرت حياته وتبدّل كل شيء فيها. لم يصب على الجبهات وفي ساحات القتال التي شارك فيها، إنما بكمين محكم أثناء توجهه لاصطحاب خطيبته من الجامعة. صوبوا على رأسه مباشرة في محاولة واضحة لتصفيته، لكن العناية الالهية تدخلت، فوصل الى المستشفى حيث بقي غائباً عن الوعي 15 يوماً.

يروي شريط حياته بدقائق، مفتخراً بأنه انخرط في جبهات النضال للدفاع عن أرضه وناسه منذ كان في عمر السابعة، لحساسية المنطقة التي كان يعيش فيها، فهو كَبر على خطوط التماس في سن الفيل، التي كان أهلها على استعداد دائم لأي معركة أو هجوم. لا ينسى لحظات الرعب التي عاشها طفلاً، فهو رأى بأم العين أصدقاءه الأطفال الذي كان يلعب معهم ضحايا قناصة شباب المنظمات الفلسطينية التي أرادت السيطرة على المنطقة، وكان السؤال الوحيد الذي يشغل باله، “أين الدولة والجيش ولماذا نحن في خطر دائم”؟.

كان يكبر وكانت روح المقاومة تكبر معه، لكن استشهاد الرئيس بشير الجميل طبع حياته بشكل كبير فكان خياره ومن دون أي تردد، القوات اللبنانية وقضيتها المحقة لبناء جمهورية قوية.

الشاب القبضاي في فرقة الصدم، صار مقاوماً محترفاً، فأتقن المهارات القتالية، ساعده في ذلك بنيته الجسدية وطبيعة جسمه، الى أن وقع ما لم يكن في الحسبان. كان سيمون يعي تماماً أن حياته على المحك في ساحات القتال والمعارك، لكن لم تخطر بباله فكرة تصفيته التي تزامنت مع فشل رئيس الحكومة الانتقالية حينها الجنرال ميشال عون من احتلال المجلس الحربي ونجاح المقاومة اللبنانية في إيقاف هجوم أنطلياس، وأثناء توجهه لاصطحاب خطيبته من الجامعة، تم إطلاق النار مباشرة على رأسه. لم يشفع وضعه الحرج وغيابه عن الوعي لأكثر من 15 يوماً به، إذ اقتحم أكثر من عشرة جنود المستشفى وأزالوا بالقوة الإسعافات والقساطر الطبية، واقتادوه الى السجن وهو بين الحياة والموت مكبل اليدين، حيث بقي 21 يوماً هناك، من دون أكل أو مياه، وسط ظروف نفسية ومعنوية قاهرة، لا بل مدمرة.

ومع حلّ حزب القوات اللبنانية، بدأ سيمون رحلة جديدة من المقاومة. أوقفه النظام الأمني اللبناني – السوري أكثر من عشر مرات، من دون أي مراعاة لوضعه الصحي، لكنه لم يتنازل أو يساوم. ألف كتاب “العائد من الموت” الذي كان حاز على اذن من الأمن العام لطبعه ونشره، لكن الأجهزة الأمنية أوقفته مطالبة إياه بتوقيع تعهد بعدم توزيعه سراً بعدما تم سحبه من التداول. وافق الحاج وغادر لبنان الى الولايات المتحدة، في كانون الأول من العام 2000، لكنه أكمل مشوار التحدي من أجل القضية، فأعاد طباعة الكتاب ووزعه على الدوائر الرسمية الأميركية، مصراً على إيصال رسالة معاناة المقاومين اللبنانيين واغتيالهم واضطهادهم وسجنهم، “لأن القلم في هذه المجتمعات أشدّ تأثيراً من الرصاصة”.

ولأن سيمون مقاوم بالفطرة، تحدى شلله الجسدي ووضعه النفسي، وراح يعمل ليلاً ويتعلم نهاراً، محصّلاً أكثر من شهادة جامعية، ومتقناً 5 لغات. بعد حصوله على الجنسية الأميركية عاد الى لبنان مجدداً التزامه بالقضية، وفاء لدماء الشهداء. “صحيح أنا شهيد حيّ لكن هناك من صار تحت التراب. انا ملتزم بقضية هؤلاء الرفاق، وملتزم بقضية الدكتور جعجع الذي اعتقل 11 عاماً ولم يتخلَّ أو يتنازل عن مجتمعه، ومن هذا المنطلق، نذرت حياتي للقضية وللقوات اللبنانية تماماً كما يندر الراهب حياته للدير”، يقول الحاج.

لم يتزوج سيمون ويبني عائلته الخاصة، لكن لعبة التحدي لم تفارقه يوماً، صحيح أن الشلل الذي أصاب يده ورجله جعله عاجزاً جسدياً لفترة طويلة، وهو لا يزال حتى اليوم يعاني من الإصابة، لكن الصحيح أيضاً أنه متكل على نفسه الى أقصى الحدود. يفتح محل الألبسة الذي يملكه يومياً، يهتم بشؤون منزله، يحضر أكله، ويجد لذة في كل ما يقوم به بعدما تأقلم مع وضعه وعوّد نفسه على الا يحتاج مساعدة أحد.

باختصار، أسمع سيمون نفسه كلاماً كبيراً، القوة ليست فقط في البدلة الزيتية التي ارتداها دفاعاً عن لبنان، إنما بالقلب الكبير الشجاع الذي لا يهاب إلا ربه، وبالتحدي الذي لا يقف أمامه جسد نحيل أو أوتار ضعيفة، وهو كان ولا يزال دائماً وأبداً حيث لا يجرؤ الآخرون. ​

Exit mobile version