
بين المبدئية والبراغماتية تتنقل مواقف وخطابات وتصاريح وتصرفات محور الممانعة وقائده في لبنان حزب الله، وذلك لخدمة خاصة شخصية حزبية مذهبية ودينية وإقليمية. جاهر الأمين العام لـ”الحزب” بذلك مرات عدة منها حين قال في 16 شباط 2017، “نحن دائماً لدينا ما نخفيه”.
كما يلعب الحزب دوراً فاعلاً سياسياً ـ أمنياً ـ عسكرياً، كذلك تأرجح دوره في القضاء وموقفه منه من المسيطِر والمشكك والمرحب والرافض إلى المحارب والمُسقط لهذا الصرح المتبقي في الدولة اللبنانية ذات السيادة.
بدأ الحزب نشاطه في هذا المجال قاضياً مباشراً حاكماً منفذاً للأحكام بأوامر شرعية دينية عليا. فعلى سبيل المثال لا الحصر:
ـ “أعدم حزب الله في الثمانينات ميدانياً 11 متعاملاً مع استخبارات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية” (كتاب نعيم قاسم ـ “حزب الله ـ المنهج، التجربة، المستقبل الصفحة 147).
ـ في 4 شباط 1994، أعدم حزب الله المواطن البعلبكي القاصر حسين عاصم عواضة (16 عاماً) – وذلك بعدما وضعت الحرب أوزارها وبعد مرور ثلاث سنوات على اتفاق الطائف ـ في مقر فندق الخوّام في بعلبك، بناءً على فتوى صادرة عن عضو مجلس شورى الحزب رئيس الهيئة الشرعية فيه الشيخ محمد يزبك، لأنه قتل مواطنة من آل اللقيس. نفِّذ الإعدام رمياً بالرصاص علناً وعلى مرأى ومسمع السلطات القضائية والسياسية.
ـ وأعلن “الحزب” أنه “سيقطع اليد من الكتف” لمن يحاول اعتقال اللواء جميل السيد الذي صدرت بحقه قبل يومين مذكرة توقيف من القضاء اللبناني كمدّعى عليه بتهديد أمن الدولة والنيل من دستورها، وتهديد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، يومذاك، والتهجم عليه وعلى القضاء وأجهزة الدولة.
فقبل عودة السيّد الى مطار بيروت، انتشر مسلحو “الحزب” في محيط المطار ونزل أنصاره الى مدخل المطار حيث اقتحمت بعدها “رانجات” أمنية تابعة للحزب مطار بيروت وأخرجت جميل السيد من مدرج الطائرات.
بعدها قام مسؤول الارتباط والتنسيق في “الحزب” وفيق صفا نفسه بفتح صالون الشرف المخصص للوزراء والنواب لاستقبال اللواء جميل السيد داخله.
ـ في 5 تموز 2012، تعرّض النائب بطرس حرب لمحاولة اغتيال بعدما تمّ الاشتباه بـ3 أشخاص يقومون بتفكيك باب مصعد المبنى الذي يقع فيه مكتبه في بيروت وعثرت القوى الأمنية على صواعق تفجير في المصعد، إلا أن الفاعلين تمكنوا من الفرار.
بعد فترة قصيرة سطّر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر مذكرة توقيف غيابية بحق مسؤول في حزب الله يدعى محمود الحايك من بلدة عدشيت الجنوبية بجرم محاولة اغتيال حرب مستنداً الى معطيات توافرت في ملف القضية من خلال الاستقصاءات والتحريات التي أجرتها القوى الأمنية حول الحادثة والتي أظهرت صوراً للمدعى عليه الحايك في مكان الحادث من خلال كاميرات المراقبة الموجودة في المكان. طبعاً، لم يسلّم حزب الله “المتلبّس” بمحاولة الاغتيال للقضاء اللبناني العسكري.
ـ في 9 آب 2012، وبعد القبض على ميشال سماحة متلبساً بنقل متفجرات من سوريا الى لبنان كانت ستستعمل في أعمال إجرامية إرهابية على الأراضي اللبنانية، صرّح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، “لن نسكت على اعتقال الوزير المقاوم ميشال سماحة، وفي لبنان قضاة خاضعون لأجهزة أمنية مشبوهة والتهم فبركات أمنية”.
ـ في 21 أيلول 2021، كشف الصحافي ادمون ساسين عن أن حزب الله عبر وفيق صفا بعث برسالة تهديد الى القاضي طارق بيطار مفادها “واصلة معنا منك للمنخار، رح نمشي معك للآخر بالمسار القانوني وإذا ما مشي الحال رح نقبعك”.
ـ في 26 شباط 2006، وفي تناقض صارخ مع مبدئية موقف الحزب من التحقيق الدولي والمحكمة الدولية الخاصة لبنان قبل توجيه الاتهام لحزب الله باغتيال الحريري، قال الشيخ نعيم قاسم في مقابلة مع قناة “العربية” ضمن برنامج “بالعربي” مع جيزيل خوري، إن “التحقيق الدولي لم يثبت أي تهمة ضد لحود (الرئيس السابق) وحتى لو صدر قرار اتهامي… فهو ليس حكماً طالما قرينة البراءة موجودة سيلي القرار محاكمة… وبعدها حكم الحكم لم يصدر”.
ثم أوضح قاسم، “المشتبه فيه لا يحاكم وتصدر عليه أحكام قبل ما المحكمة تقول انه مدان أو متهم حتى ميليس اللي كان تقريره له طابع سياسي حتى قال قرينة البراءة لا تزال موجودة بالنسبة لهؤلاء جميعا”.
جيزيل خوري، “طبعاً هيدا القانون”.
الشيخ نعيم قاسم، “هذا القانون، لما قرينة البراءة موجودة ليش بدو يتحاكم رئيس الجمهورية على عمل قبل ما المحكمة تصدر قرارها النهائي، تصدر المحكمة ويثبت انه متورط، ساعتها الأمر يختلف تماماً لأنه يصير مدان بجريمة مرتكبة”.
حين أصدرت المحكمة حكمها وأثبتت أن المتهمين من حزب الله مدانين بجريمة مرتكبة، اعتبر الحزب المتهمين قديسين مطوبين…”.
أما أغرب تناقض مع مبدئية الحزب في موقفه من التحقيق الدولي والمحكمة الدولية الخاصة في لبنان هو اتصال مسؤول الأمن المركزي رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله الحاج وفيق صفا بتاريخ 7 أيلول 2013 مع تلفزيون “الجديد” في رده على الشاهد زهير الصديق إذ قال ما حرفيته، “لم يرد أي اسم لي في المحكمة الدولية بل بالعكس أنا من ينسّق بين حزب الله والمحكمة ولم يكن في مرحلة من المراحل أي اسم لي”.
في الخلاصة، كما يقوم الحزب باستعمال القضاء اللبناني حين يستطيع إليه سبيلاً ويعود ويحاربه ويخونه حين يناقض مصالح الحزب الدنيا أو العليا، كذلك يفعل مع القضاء الدولي حتى ولو اعتبره في مراحل كثيرة إسرائيلياً امبريالياً أميركياً… القضاء بالنسبة للحزب وَصفة À la carte.
.jpg)