“عروبة” آل الأسد: بين الظاهر والباطن

اذا كانت العروبة مجرد أقوال ولافتات وشعاراتٍ فارغة على نَسَق “فليسقط واحد من فوق”، فنظام الأسد عروبي اكثر من ساطع الحصري ومحمد دروزة وقسطنطين زريق، واذا كانت العروبة مجرّد “لغة الضاد” فنظام الأسد هو عربي بالتأكيد كونه يتكلم العربية… اما اذا كانت العروبة مواقف وافعال واضحة وملموسة، فعندها يكون كلام آل الأسد في واد، وافعالهم في وادٍ آخر…

من الجائر اعتبار نظام الأسد نظاماً علوياً بالمعنى الديني للكلمة، فهذا افتئات على الطائفة العلوية الكريمة التي يعاني معظم ابنائها ما يعانونه من فقر وعوز وحرمان وقمع واستبداد، اسوةً بباقي الطوائف في سوريا.

فغازي كنعان الذي اغتاله النظام “انتحاراً” كان علوياً، وصلاح جديد الذي سجنه النظام حتى الموت كان من ابرز قيادات الطائفة، ورفعت الأسد الذي نفاه النظام هو علوي بدوره، وآصف شوكت الذي تخلص منه النظام هو علوي ايضاً وايضاً…، حتى ولو ان بعض هؤلاء خدم نظام الأسد ونفذّ سياساته القمعية في مرحلةٍ من المراحل، إلا انه بمجرد ان فرغ من خدماتهم حتى اجهز عليهم، من دون التوقف عند اي اعتباراتٍ علوية.

فمبدأ الثواب والعقاب بالنسبة لهذا النظام لا يرتكز الى اي هوية عرقية او طائفية، انما الى الولاء المطلق والتبعية العمياء، سواء جاءت من علوي او سني او مسيحي او حتى يهودي.

نظام الأسد هو في الواقع نظام اوليغارشي عائلي مُحاطٍ ببطانةٍ ومنتفعين من كل الطوائف، فعبد الحليم خدام وحكمت الشهابي ومصطفى طلاس وفاروق الشرع وسواهم هم من السنّة وليس العلويين، والأمثلة الباقية لا تعد ولا تُحصى.

وفي الحقيقة ان قواعد ومرتكزات التحسينات التي طرأت على وضعية الطائفة العلوية في سوريا تعود جذورها الى فترة الانتداب الفرنسي عندما بدأ العلويون ينخرطون في الجيش والإدارة، وليس الى حقبة نظام الأسد.

هو نظامٌ يتحصّن بالعائلة لتدجين اي قيادات صاعدة في الطائفة العلوية، ويتحصّن بالطائفة العلوية لتدجين الأكثرية السنية الصاعدة نحو الحكم؛ ويُصوّر نفسه نظاماً مدنياً معتدلاً حامياً للأقليات في الشرق، ولكنه يضطهد مسيحيي لبنان منذ العام 1978 وحتى 2005، ويطلق قيادات داعش من سجونه لزعزعة استقرار العراق واستطراداً ترويع الأقليات؛ ويُضيء اعلامياً وسياسياً على الفصائل المتطرفة ويُضخّم من قدراتها ويدعمها في السرّ، لتشويه صورة المعارضة السورية المعتدلة وتقزيم دورها والقضاء على وجودها، وتالياً حرقها عالمياً وعربياً وحتى اسلامياً؛ وهو نظام يلعب على التناقضات في كل الاتجاهات حتى يبقى ويستمر غصباً عن ارادة الحياة واتجاهات التاريخ وسيرورة الفكر الانساني.

هذا على الصعيد الداخلي، اما خارجياً فهو نظام يتحصّن ظاهرياً بالبعث والعروبة لا لمحاربة اسرائيل انما لاكتساب مشروعية شكلية كأقلية في الحكم؛ ويتنكّر بقناع القضية الفلسطينية للإمساك بالورقة الأكثر حساسية في المنطقة وابتزاز العرب والعالم على اساسها؛ ويتحصّن فعلياً بالجمهورية الاسلامية الإيرانية لمواجهة اي محاولة عربية لدعم الأكثرية السنية داخل سوريا.

وعليه فإن عروبة آل الأسد هي مجرد ستار، فيما عداؤه للعرب والعروبة هو الأساس  وحجر الزاوية لبقائه في الحكم الى اجلٍ غير مسمّى في سوريا.

عداء آل الأسد للعرب والعروبة ابعد بكثير من ارتباطهم العضوي بالنظام الإيراني، ففي اوج فترة صعود القومية العربية اوائل القرن العشرين، وفي وقتٍ كان رمز القومية العربية الأول الشريف حسين، وابنه الأمير فيصل، يستعدان لإعلان الجمهورية العربية الكبرى، كان جد حافظ الأسد، السيد سليمان الأسد، مع عددٍ آخر من وجهاء اللاذقية، يبعثون برسالة رسمية الى رئيس حكومة فرنسا ليون بلوم، موثّقة في سجلات وزارة الخارجية الفرنسية تحت رقم 3547 ومؤرخة بتاريخ 15 حزيران 1936، يطالبونه فيها بالتصدي لمشروع الوحدة العربية والإبقاء على الانتداب الفرنسي، والمسارعة بإنشاء دويلة انفصالية على اجزاء من سوريا. نورد جزءاً يسيراً جداً مما جاء في هذه الرسالة…وما خفي منها كان اعظم بكثير:

“…. روح الحقد والتعصب (…) غُرزت جذورها في صدر العرب ….وليس هناك امل في ان تتبدل الوضعية، لذلك فإن الأقليات في سوريا تصبح، في حالة الغاء الانتداب معرضة لخطر الموت والفناء…”

عندما يُشير جد حافظ الأسد ووجهاء اللاذقية الى “الحقد في صدور العرب”، ويتحدثون بالمقابل عن “الأقليات في سوريا”، معتبرين انفسهم جزءاً منها بطبيعة الحال، فهذا إقرار واضح ومباشر وصريح من قبلهم بأنهم ليسوا عرباً لا بل يحرضّون الفرنسيين ضد العرب. فلماذا الهجوم اذاً على انطوان زهرا، وهو لم يقل شيئاً يناقض ما فعله وجهاء اللاذقية، وما قالوه عن انفسهم في رسالتهم الشهيرة؟

اثناء الحرب العربية الاسرائيلية في حزيران 1967، والتي اسفرت عن سقوط الجولان بساعاتٍ معدودة، كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع السوري، امّا سرّ هذا الانهيار السريع والذي ادى الى تضعضع كل الجبهات العربية، فقد كشفه الرئيس السادات في 1 ايار 1979، نقلاً عن الملك السعودي فيصل، قال فيه:”ان الالغام قد اُزيلت يومها من هضبة الجولان والقنيطرة قبل دخول الاسرائيليين، وان السلطة بادرت الى اعدام الضابط الذي اعلن عن سقوط الجولان قبل ان يسقط”.

لاحقاً وعندما تسلّم الأسد مقاليد الرئاسة في سوريا عمد بالتدريج الى تصفية الجناح العربي لمنظمة التحرير الفلسطينية لصالح اجنحتها السورية والايرانية، فأصبحت المقاومة الفلسطينية مقاومات عديدة، واحدة ترمز الى الشرعيتين العربية والفلسطينية ممثّلة اليوم بالرئيس محمود عبّاس وقبله بالرئيس عرفات، والباقية يُحركّها آل الأسد وايران، وهو ما اضعف العرب وكاد يُفرغ القضية العربية المركزية من محتواها العربي والفلسطيني الفعلي.

وعندما اندلعت الحرب العراقية مع ايران، وحده حافظ الأسد وقف مع ايران ضد كل العرب، في وقتٍ كان الإمام الخميني يُعلن فيه بتاريخ 18 نيسان 1980 بأن ” الحرب التي اعلنها العراق على ايران هي إحياء لعهد بني اميّة، للعودة الى ذلك العهد الجاهلي، لتكون القوّة عربية والنفوذ للعرب”…هكذا هي “عروبة” آل الأسد ومن لف لفيفهم! فأنعِم واكرِم.

وفي 9 حزيران 1982، اي بعد ايامٍ قليلة جداً على الاجتياح الاسرائيلي للبنان اعلن نظام الأسد التوصل منفرداً الى هدنة مع الاسرائيليين،  تاركاً المقاومة الفلسطينية تواجه مصيرها المجهول لوحدها، حتى ان الرئيس الأسد رفض الرّد على مكالمات الاستغاثة التي كانت ترده باستمرار من القيادة الفلسطينية في بيروت.

واليوم، كما الأمس القريب والبعيد، نظام الأسد يستعين بالميليشيات الإيرانية والافغانية وبالجيش الروسي ضد الشعب العربي السوري، ولا يتورّع عن دعم ايران ضد الدول العربية، حتى انه يدعم ويُفضّل اصحاب الأفكار الدينية التكفيرية التي تزدري وتُكفّر الأفكار القومية بالإجمال، وفكرة القومية العربية بالتحديد، والضحية الوحيدة لذلك كلّه هو العروبة المنفتحة والاعتدال الاسلامي، لصالح التكفيريات الدينية والديكتاتوريات المنغلقة، من كل الاتجاهات.

اخيراً وليس آخراً، ليست المشكلة في ان نظام الأسد يرفض العروبة ويعمل ضدّها، فهذا ربما حقّه السياسي المشروع، ولكن الطامة الكبرى هي في كرهه للعرب والعروبة، وانما ادّعاءه العكس تماماً، لا بل ذهابه حدّ تخوين الآخرين واتهامهم بالعمالة، تحت شعار العروبة بالذات.

فكم من الجرائم والموبقات التي يرتكبها هذا النظام تحت اسم العروبة.

امّا بعد، فإن طرد هذا النظام من جامعة الدول العربية، حتى وإن جاء متأخراً عقود وعقود من الزمن، يأتي تأكيداً لمقولة “لا يصح الا الصحيح”، ويصّب ضمن السياق الطبيعي لسياسات آل الأسد الأنتي-عربية، وكنتيجةٍ واقعية وموضوعية لازدواجيتهم المتجذّرة لناحية التناقض الفاضح بين اقوالهم والأفعال.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل