أزمة حليب الأطفال لم تُحل نهائياً… هل تحسَّب أبيض؟

حجم الخط

على وقع صرخة العائلات خصوصاً التي تضمّ أطفالاً رُضّعاً، والمعاناة التي يعيشونها جرّاء الأزمة المستمرة لفقدان أنواع عدة من حليب الأطفال، وسط المشاكل العالقة ما بين وزارة الصحة ومصرف لبنان والشركات المستوردة والصيادلة لناحية الدعم وتأمين دولارات الاستيراد، فاجأ وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال فراس أبيض الجميع بالإعلان عن رفع الدعم عن أنواع حليب الأطفال كافة.

قرار أبيض الذي يعتبر كثيرون من أهل الاختصاص أنه أتى متأخراً، علَّله بأن الكميات التي كانت تصل إلى لبنان عند الدعم، كانت تكفي بلدين، مشيراً إلى أنه على الأرجح كنّا نشتري الحليب لبلدين. في دلالة واضحة وإشارة لا تحتمل الالتباس، حتى ولو لم يُسَمِّ، بأن حليب الأطفال المدعوم في لبنان كان يتمّ تهريبه إلى سوريا، المحاصرة بعقوبات دولية، وشبه المعزولة عن الاقتصاد العالمي بتُهم دعم الإرهاب وتجارة المخدرات وغيرها.

وفي حين فضَّل نقيب الصيادلة جو سلوم، لدى استطلاع موقع القوات اللبنانية الإلكتروني رأيه في قرار وزير الصحة، “عدم التعليق الآن بانتظار الاضطلاع على حيثيات القرار، ومزيد من التوضيحات من قبل الوزير نفسه”، لكنه أوضح أنه “ربما أدَّى القرار إلى توفير الحليب للأطفال، لكن يجب أن ننتظر المزيد من التفاصيل لنرى كيف سيتمّ التسعير، وما إذا كان الناس ستتمكّن من تحمُّل كلفة شرائه لأطفالها”، لافتاً إلى أن “بعض أنواع حليب الأطفال (رقم واحد) كانت نسبة الدعم لها تصل إلى نحو 50%”.

لكن رئيسة مصلحة الصيادلة في حزب القوات اللبنانية، إيلين شماس، لا تتردَّد في الإعلان، عن أن “رفع الدعم كان يجب أن يتمّ منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها انقطاع حليب الأطفال وسائر الأدوية الأخرى من السوق والصيدليات، مع علم الجميع بالتهريب الحاصل على الحدود. فلا نهدر أكثر من مليار و700 مليون دولار على دعم مختلف الأدوية بالإضافة إلى حليب الأطفال، ونستفيق اليوم على وقف الدعم بعد خسارة هذا المبلغ”.

وترى شماس، في حديث إلى موقع “القوات”، على أن “وقف الدعم كان واجباً على أي وزير صحة يضع استراتيجية دوائية واضحة، تهدف إلى تأمين حليب الأطفال المناسب، ومختلف الأدوية، بأفضل المواصفات والأسعار للمواطنين”.

وتوضح، أن “لبنان يستورد حليب أطفال بقيمة 50 مليون دولار سنوياً، وكان يتمّ تهريب حوالى 40% منه إلى سوريا. فالجهات المانحة والـ(NGO) كانت تؤمِّن هبات بنحو 40% من حاجة لبنان، فيما بقي الاستيراد بالكميات ذاتها، ما يعني أن 40% من الاستيراد كانت تذهب للتهريب”.

وتضيف، “إذا احتسبنا فترة دعم حليب الأطفال (3 سنوات) و40% من الكميات المستوردة تُهرَّب، يعني أن لبنان خسر 60 مليون دولار من دولاراته على دعمٍ يتم تهريب 40% منه. في حين، الشعب اللبناني وأطفالنا أولى من غيرهم بهذا المبلغ، خصوصاً في ظل شحّ الدولار عندنا وارتفاع سعر الصرف وتفاقم الأزمة التي نعيشها”.

وتلفت شماس، إلى أنه “يمكن توقُّع أن المستوردين والوكلاء المعتمدين في لبنان، كانوا يقومون في مراحل معينة، بعملية تقنين جزئية لتزويد السوق بالحليب، وذلك للتخفيف من خسائرهم. فالحليب كان مدعوماً ويتمّ استيراده على سعر معيَّن للدولار، وهم ملزمون ببيعه على هذا السعر، فيما الدولار في ارتفاع مضطرد في السوق السوداء”.

وربما، وفق شماس، أن “المستوردين والوكلاء كانوا ينتظرون رفع الدعم عن حليب الأطفال في أي لحظة، بالتالي كانوا دائماً يحتفظون بكميات منه في مستودعاتهم لا يوزّعونها في السوق، لتقليل الخسائر عند ارتفاع الدولار. أو كانوا ينتظرون من وزير الصحة إجراء تصحيح على السعر، لأن وزارة الصحة كانت تدعم حليب الأطفال رقم1 ورقم2 (Age1 وAge2) وتحدِّد سعراً ثابتاً له، مهما ارتفع سعر الدولار، فيما تمَّ رفع الدعم عن حليب رقم3 (Age3) في فترة سابقة”.

وتستدرك، منوِّهة إلى أن “أزمة توافر حليب الأطفال في الأسواق لم تُحل نهائياً، إذ تبقى مشكلتان. الأولى، أنه حتى ولو رُفع الدعم، لا يزال الوكيل ملزماً بالتسعير بحسب مؤشِّر الدولار الذي تعتمده وزارة الصحة حالياً، والبالغ 43.000 ليرة للدولار، فيما دولار السوق الفعليّ تخطَّى الـ46.000 ليرة. بالتالي، من المتوقع أن يقوم الوكيل بتقنين الكميات التي يسلِّمها للسوق للتخفيف من خسارته”.

وتعتبر شماس، أن “الحلّ لهذه المشكلة ممكن، عن طريق قيام وزير الصحة باتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة مع غيره من المعنيِّين، التي تسمح لوكلاء الأدوية وحليب الأطفال بشراء بضائعهم على سعر مؤشر وزارة الصحة، 43.000 ليرة للدولار، لا على دولار السوق. بمعنى، الوكلاء والمستوردون ملزمون ببيع الأدوية والحليب على دولار مؤشر وزارة الصحة بـ43.000 ليرة، بالتالي يجب في المقابل تأمين الدولار لهم للاستيراد على دولار الـ43.000 ليرة”.

وترى، أن “هذا الحلّ ليس مستحيلاً إن توافرت النيّة والجدّية، وبالتأكيد مع مراقبة ومتابعة دقيقة جداً. أي لا نقوم بتأمين الدولارات اللازمة للوكلاء بـ43.000 ليرة، لكنهم لا يقومون في المقابل باستعمالها كلّها لاستيراد الحاجة المطلوبة من الأدوية وحليب الأطفال”.

أما المشكلة الثانية التي ستبقى قائمة، فتوضح شماس، أنها تكمن في “عدم وجود أيّ مصنع في لبنان لتصنيع حليب البودرة للأطفال والاتّكال على الاستيراد. والحل بأن نبدأ بالتفكير بإنشاء مصنع مماثل، فلا نعود تحت رحمة الاستيراد فقط”.

وتضيف، “يمكن في المرحلة الأولى استيراد حليب الأطفال بكميات كبيرة بالأطنان، في مستوعبات كبيرة من دون تعليب، ونقوم بتعليبها في لبنان، فنوفِّر في كلفة الشحن وسعر التعليب. بل يمكن حتى توضيبها في أكياس بلاستيكية معقَّمة، بدل العلب التي تكلِّف أكثر. هذه تكون البداية، بانتظار، بل بالتزامن مع البدء بإنشاء مصنع لانتاج حليب الأطفال في لبنان”.

أما عن العائلات التي تمرّ في أوضاع معيشية صعبة جداً نظراً للأوضاع المعروفة، فتشدِّد شماس، على أنه “من المفترض، مع الارتفاع الحتميّ لأسعار حليب الأطفال بعد رفع الدعم، أن يكون وزير الصحة قد تحسَّب لهذا الأمر، وقام بالاتصالات اللازمة وأمَّن هبات وتبرّعات ومساعدات للعائلات التي لن تتمكَّن من شراء الحليب لأطفالها على الأسعار العالية الجديدة”، متمنّيةً أن يكون الوزير أبيض “قد أخذ كل هذه الأمور في الاعتبار قبل قراره برفع الدعم”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية ​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل