عودةٌ إلى حكمِ المافيا؟

في البداية، وحتى تُحاطَ كلمةُ “مافيا” بإطارٍ صحيح، لا بدَّ من تشريحٍ سريعٍ لمفهومِها. فالمافيا، في القاموسِ السياسيّ المُعتَمَدِ دوليّا، هي جماعةٌ إجراميّةٌ خارجةٌ على السّلطة، تُديرُ أنشطةً غيرَ مشروعةٍ في مجالاتِ التّهريبِ، والمخدّرات، والابتزاز، وتبييضِ الأموال، وتجارةِ الأسلحة، إضافةً الى أعمالِ التَرهيبِ، والخطفِ، والقتل، وما شابَهَها. والمافياويّون، وإن كانت جماعتُهم سريّة، غيرَ أنّهم يتّخذونَ ألقاباً رسميّةً، أو يظهرونَ كرجالِ أعمالٍ يديرونَ مصارفَ وشركاتِ تأمين وتجارةٍ عامة، كسِتارٍ يتلطَّون خلفَه.

عندَنا، ولمّا كانتِ الدولةُ ضعيفةً أو غيرَ موجودة، وكان أركانُها هزيلينَ، قامَت حركاتٌ مافياويّةٌ نَصَّبَ أركانُها أنفسَهم مرجعيّاتٍ سلطويّةً حلَّت محلَّ الدولة، وتداخلَت مصالحُهم مع مصالحِها بشكلٍ لم يعدْ سَهلاً التَّمييزُ بينها، أو الفَصل. وقد أدّى هذا الأمرُ المشبوهُ الى إثراءٍ فاحشٍ للمافياويّين، والى بَسطِ نفوذِهم على مرافقِ الحياةِ في مؤسّساتِ الدولةِ، وخارجَها، من خلالِ العمليّاتِ غيرِ الشرعيّة، واستغلالِ المالِ العام، والتّخويفِ بالتّرهيب، ما أدّى الى هيمنةٍ كليّةٍ لهم، مُتَحكِّمةٍ، وبشكلٍ مُمَنهَج، برقابِ الناس، وأرزاقِهم.

تقومُ المافيا بحمايةِ النشاطاتِ المُريبة، في ظلِّ تَراخٍ شبهِ تام مِمَّن ينبغي أن يشكّلوا حمايةً للنّاسِ استناداً الى النّظامِ الذي يعني، تماماً، الهيبةَ والحضورَ والقانون. من هنا، فرهانُ المافيا على نجاحِ سلطتِها، ومواردِ مآثرِها المُفَخَّخة، لا يستفزُّهُ استيقاظُ المُعَقَّمينَ من جُلّاسِ الكراسي، الذين تحوّلوا جثامينَ متحرِّكة، أو شيوخَ صُلحٍ غيرَ مُنتِجين. لذا، فقد هزمَ الغوغاءُ الحقّ، وهُدِمَت منظومةُ القِيَم، وضُيِّعَتْ كرامةُ الدولةِ فلم نَعدْ نجدُ لها أَثَراً.

اليوم، وقد بِتنا في سردابٍ لا فُوَّهةَ له، وقد تدحرجتِ الأحداثُ الى ما لا يتركُ مجالاً للشكِّ في أنّ ما وراءَها غيرُ بريء، واستقوى فرطُ القوةِ ليرسّخَ هيمنتَه، كأنّنا عدنا الى مرحلةِ ما قبل الدولة. وأمامَ هذا السّقوطِ المزَلزِلِ لمُحَيّا ما كان يُسَمّى دولة، يبرزُ السؤال : هل عادَ حكمُ المافيا، ومن البابِ الواسع ؟

هناكَ مَنْ يقول : ومتى زالَ هذا الوضعُ، أو تراجعَ، ليعودَ من جديد ؟ صحيحٌ جداً هذا القول، فالمرحلةُ الماضيةُ كانت وصمةَ عارٍ شوَّهَت شرفَ الدولة، ولوثةً رديئةً نحرَت سيادةَ الوطن، وجماعةً نَهبَويّةً تخلَّت عن واجبِها في حفظِ  حقِّ النّسيجِ الشَّعبي، بِعَقدِ الصّفقاتِ والسّمسراتِ على حسابِ تنميةِ البلاد. وقد باتَ مشهدُ الدولةِ، مع هذه الطُّغمةِ الفاسدة، باهِتَ الظّلال، مُهَشَّمَ القيمة، ما أدّى الى تَنامي الأخطبوطيّةِ المافياويّةِ بصورةٍ لم يُشهَدْ لها مثيلٌ سابقاً، فاتّسَعَت رقعةُ الإرتكابات، وتفشّى الوباءُ المافياوي تزويراً، وفضائحَ، وإفلاساً، وسرقات… ولم يجدِ المواطنُ سوى تقليصٍ متزايدٍ للجهودِ الرسميةِ التي من واجبها أن تعملَ على مكافحةِ هذا الوباءِ، ما يشكّلُ مؤشِّراً واضحاً لقياسِ الفسادِ المؤسّساتي.

إنّ دولةً تآكلَها الصّدأُ الذي لن يحينَ موعدُ انكفائِهِ في القريب، سمحَ حُقَراؤُها بقَلبِ المقاييسِ فباتَت ممسوخة، وبالانتهاكات فرجَحَت في الكفّة، وزاغَ معها خطُّ الحقّ. إنّ دولةً تنازلَت عن سلطتِها لتزدهرَ مواسمُ الفوضى، أسكنَتِ الناسَ في ذلٍّ، وخطرٍ، وخوفٍ، وإذعان، واشمئزاز، ما أفسحَ في المجالِ للطارئينَ النهّابين، مافياوِيّي السلطةِ، والمال، والأرض، أن يعتدوا على مكوّناتِ الشرعيّةِ، ويُقَرصِنوا الوطن.

إنّ الدّعوةَ لعودةِ الدولةِ الى الدّولة ليسَت متأخّرة، بالرّغمِ من السّلوكِ المَرَضيّ الذي ينتهجُهُ ركّابُ السلطةِ المُصابينَ بوباءِ الخيانةِ أَقتَلِ خطايا العَمالة. إنّ هذه العودةَ ليسَت بِيَدِ الممسوخينَ هَزِلي الكرامةِ الوطنيّة، أصحابِ الدُّربةِ في النّهب، والرّاسِخين في موهبةِ الانحراف عن القِيَم، فخزّانُ الشرِّ في جُثَثِهم عارم، وعِدّةُ السرقةِ متوقِّدةٌ متأهِّبةٌ وذاتُ نكهةٍ نَتِنَة، فلا نفعَ بهم، ولا جُهدَ يديرُ جهازَ ضميرِهم الذي باتَ وَحلاً. إنّ النّاسَ المقهورين، وحدَهم، يشكّلون حركةَ الجرأةِ التي تتمرّدُ على الذين قبَّحوا وجهَ الوطنِ بالشُّرور، فالخُبثُ دينُهم، والعُيوبُ عنوانُهم، والآفاتُ تخاوَت مع جُبلاتِهم، فلا ينفعُ مع بلائِهم إلّا ضَربُ عنقِه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل