
يستغرب كثيرون من حبّ اللبناني لوطنه الذي ما قدّم له إلا الصّعاب.
أولئك المستغربون، غير ملامين على نفعيّتهم.
وإذ أوضح هنا، لا أوضح لهم استغرابهم، بل أؤكد لنفسي أسباب حبي “لقطعة سما”، لم تقدم لي إلا الدّهشة.
إنّ ارتباط المرء بوطنه ليس قراراً، ولا وعياً أو إدراكاً.
إنّه أعمق وأبعد من أن يُفسَّر بكثير.
فعلاقة اللبناني بوطنه كعلاقة الأرز بصنين، مردها التّراب والسّمو.
وليس كلّ تراب يصلح لكلّ نبات. ولا كلّ جبل صنين، يصلح للأرز، ولا كلّ أرض تصلح وطناً للبناني.
يموت اللبناني إذا دفن في غير طينه، ويظلّ حبيس حزن وغربة، تمتدّ لأجيال.
فبين التّراب واللبناني علاقة، لا يفهمها إلا من عرف معنى انبعاث الكنائس من الصّخور، والمذابح والصّلبان من الأرز.
وبين التّراب واللبناني علاقة، لا يدركها إلا من بلغ السّماء راهباً، وعبّد دروبها بالصّمت والصّلاة.
يروّج العالم ويروّج البعض منّا إلى فساد كثير في أرضنا.
لكنّنا كقوات لبنانية، لم نروّج وعبر التّاريخ لغير لبنان.
روّجنا له حرفاً، ولوناً، وأغنيةً. روّجنا له ترتيلةً، وكنيسةً، ومسجدًا، وجرساً وأذاناً.
إنّ أكفّنا التي يُعابُ ما عليها من دماء الغرباء، هي أكفّنا نفسها التي فتلت أحبال أجراس السّماء، ولا تزال تقبض عليها كلّما أردنا مخاطبة اللّه.
هي أكفّنا نفسها التي حرثت، وزرعت، وحصدت، وملأت أهراء الدّنيا بالرّغيف، يوم كان طعام من حولنا سلباً واغتصاباً.
هي نفسها التي شقّت الطّريق أمام السفن والعقل والجمال والشرق، شقّتها بالحرف والوتر والضّوء.
فاللبنانيون ليسوا خليطاً من غبار حملته الرّياح من هنا وهناك.
واللبنانيون لم يستجلبوا مياههم من أرض سواهم.
بل هم التّراب كل التّراب، وهم الغيم والمطر والسّماء.
هم مسكبة الحب كلّها، وهم مشتل الإبداع، وهم سجّادة الإيمان في الأرض قاطبة.
ومهما علت من حولنا بروج وصروح، سيظلّ حجر أساسها من صخرنا، وستظل ذؤابات شموخها أخفض من صنين…
وسنظلّ قبلة الحب في الكون، فيصلّي الخلق قاطبة، ويظل الآمين لبنان.