.jpg)
في نظرة سريعة شاملة على الوضع الإقليمي، واللبناني من ضمنه يمكن ملاحظة ما يلي:
لبنانياً، تشنج سياسي لا بل توتر سياسي على أشده وحبس أنفاس. فمن جهة، لا رئيس للجمهورية ولا إمكانية (أقله في المدى المنظور والمتوسط) لإنتاج رئيس لبناني مع تعقد المشهد الداخلي يوماً بعد يوم.
إقليمياً، تشنج إيراني مع كافة جيران الجمهورية الإسلامية في المنطقة. فإيران فشلت في إعادة تموضعها في سوريا بعد خروج الروسي من المعادلة السورية وسيطرة طهران على العراق تكاد تضعف بدورها، فيما الحصار لا بل العزلة تشتد دولياً على نظام الملالي والانتفاضة الشعبية الداخلية تأكل كل يوم من رصيد المرشد الأعلى في ظل استمرار العقوبات الدولية على النظام الإيراني ولا سيما الاقتصادية منها واشتداد الضغوط السياسية والدبلوماسية الغربية على طهران بفعل حالات إعدام الثوار والتنكيل بهم بصورة بشعة.
في لبنان، لا إمكانية لوصول أي مرشح 8 آذاري إلى رئاسة الجمهورية، وفي الوقت ذاته، لا إمكانية لوصول مرشح 14 آذاري سيادي إصلاحي إن لم تتوحّد كل قوى المعارضة (مستقلون وتغييريون) مع الأحزاب المؤيدة للنهج ذاته. فالحقيقة تقال، إن التوازنات الجديدة التي أفرزتها من جهة الانتخابات النيابية الأخيرة ومن جهة أخرى التحالفات والإفرازات التي تلت تلك الانتخابات وان جاءت لمصلحة بعض الأحزاب بحيث ضاعفت عدد كتلها النيابية عن حق وجدارة إلا أنها في الصورة الشاملة أضعفت أي إمكانية لتوفير أية أكثرية يمكنها حسم الأمور الشائكة دستورياً على الأقل.
ومع اشتداد الضغط على إيران وتعثر التقارب الإيراني الخليجي ولا سيما السعودي، ومع انشغال الغرب من أوروبا إلى الولايات المتحدة بمسائل أكثر حيوية وأهمية له، كالطاقة والحرب في أوكرانيا ومواجهة التحديات الصينية وسواها، لا إمكانية لأي انفراج إقليمي ولبناني. وما يحكى عن اللقاء الباريسي الرباعي (فرنسا ـ المملكة العربية السعودية ـ قطر ـ الولايات المتحدة) والذي ستكون فيه إيران الغائبة الحاضرة عند الانعقاد، ليس سوى تحاليل وإطلاق بالونات اختبار، خصوصاً في ظل 3 تطورات مستجدة:
الأول هو التوتر الإيراني الفرنسي الكبير على خلفية الكاريكاتور المهين للمرشد الأعلى في مجلة شارلي ايبدو. وفي هذا الاطار، لا يمكننا إلا أن نلاحظ اعتباطية الموقف الإيراني تجاه الغرب وفرنسا تحديداً، إذ في السابق وإثر نشر شارلي ايبدو للكاريكاتور بحق النبي محمد وانتفاض الشارع الإسلامي في العالم ضدها وحصول مقاطعة للبضائع الفرنسية والتسبب بأزمات دبلوماسية لفرنسا مع بعض الدول الإسلامية، اتخذت الجمهورية الإسلامية في إيران موقفاً عادياً اكتفت فيه في حينه بإصدار بيان استنكار للكاريكاتور من دون أن تصل الأمور لديها حد التسبب بأزمة سياسية ودبلوماسية كبيرة كما هي الحال الآن مع الكاريكاتور بحق المرشد الأعلى غلي خامنئي.
حينها، كان نظام الملالي بحاجة للغرب وعشية مفاوضات فيينا النووية، وكان لطهران مصلحة في تقديم أولوياتها على أي موضوع آخر ولو عقائدي ديني مقدس. أما الآن، فان تصعيد حكومة طهران لمواقفها ضد فرنسا يأتي بوضوح على خلفية فقدان الأمل بإحياء أي اتفاق نووي خصوصاً بعدما اصطفت إيران إلى جانب الروس في حربهم على أوكرانيا وباتت المسيرات الإيرانية تدمر البنى التحتية للشعب الأوكراني.
الثاني، انتقال البيت الأبيض في السنتين الأخيرتين من ولاية الرئيس جو بايدن إلى مراعاة الأجندات اليمينية الداخلية في بلاده تمهيداً لإعادة ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة وقطع الطريق على إمكانية فوز الرئيس السابق دونالد ترمب بولاية جديدة أو أي يميني آخر جمهوري متشدد يذكيه ترمب فضلاً عن إعادة الدفء إلى العلاقات الأميركية السعودية وتغير السياسات الأميركية تجاه ولي العهد على حد ما وصفته “وول ستريت جورنال”، أخيراً، وتغيير نهج إدارة البيت الأبيض باتجاه اتباع المزيد من المواقف الصلبة الجمهورية الطابع حيال الملفات الدولية كما مع الصين وحرب أوكرانيا وتايوان، تماشياً مع مجلس نواب جمهوري يتطلب التعاون معه تدوير الزوايا ولم لا اعتماد بعض من السياسات الجمهورية سواء داخلياً أو خارجياً.
الثالث، ثبات موقف الرياض في الملف اللبناني. فالرياض تنتظر ما سيتمخض عنه المشهد اللبناني من رئيس جديد وحكومة جديدة وطبيعة السياسة الجديدة كي تبني على أساسه موقفها بالدعم أو باستمرار حجب الدعم للبنان خاصة من الناحيتين السياسية والاقتصادية: فلا ريال سعودي واحد للبنان إن لم يأت رئيس للجمهورية سيادي عربي ومعه حكومة لبنانية سيادية وإصلاحية.
أجندة الرياض مرتكزة أكثر على إيران واليمن والعراق وأمن ومصالح المنطقة الخليجية والطاقة في ظل الأزمة الدولية الحالية. ما يعني أن الاجتماع الباريسي الرباعي المرتقب لن يرقى إلى مستوى تدخل خارجي لتسوية ما على المدى المنظور للبنان. والخشية من ازدياد انكفاء القوى الكبرى والإقليمية عن لبنان انطلاقاً من أن الغرب حالياً منشغل بتأمين مصادر الطاقة، وأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل هو أهم ما يحتاجه هذا الغرب حالياً من لبنان مع تقوية سلطة قوات اليونيفيل والتي جاءت أحداث العاقبية الأخيرة لتثبت وجوده وهيبته.
حتى الآن، أثبت أهل السلطة للعالم أن لبنان بلد لا يستطيع حكم نفسه بنفسه وهو في كل مرة بحاجة لتدخل خارجي ينقذه أو يحل مشاكله، ما يخشى معه في لحظة تقاطع إقليمي دولي أن يباع هذا اللبنان في تسوية خارجية بثمن رخيص مقابل اتفاقات وضع نهائي تمتد من الضفة وغزة وصولاً الى المثلث التركي الإسرائيلي الإيراني. فالنظام الإيراني لا يزال على الرغم من كل الضغوط الداخلية والخارجية صامداً. وقد أثبت التاريخ أن الإيرانيين كلما اشتدت عليهم الضغوط يتراجعون ويطالبون بإبرام تسويات لا بل صفقات، كما حصل في العام 1988 في العراق وعند اقتراب الخطر العسكري من إيران في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بعد دخوله أفغانستان والعراق في حينه.
إسرائيل سائرة مع حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة باتجاه التصعيد مع إيران لوقف برنامجها النووي وإخضاعها للشروط الغربية مستفيدة من توتر العلاقات بين الغرب وطهران على خلفية عملياتها الحربية في أوكرانيا ما يشجع على تفعيل كل العقوبات ضد نظام الملالي.
كما أن إسرائيل سائرة باتجاه مواجهة جديدة شرسة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة، ما من شأنه إعادة طرح صيغة حل الدولة الواحدة في مقابل الحاق قطاع غزة بالسيادة المصرية ومقدسات القدس الشرقية مع الضفة الغربية بوصاية العائلة الهاشمية في الأردن.
العالم كما المنطقة كما لبنان لن يعودوا كما كانوا. فالمعادلات تتغير جذرياً من أوكرانيا إلى تايوان مع كافة تأثيراتها وارتداداتها الإقليمية والداخلية في كل بلد من بلدان المنطقة ومنها لبنان.
العلاقات الدولية في حالة تشنج وتوتر من المحيط الأطلسي (منذ أيام انفجر النتوء البرازيلي داخلياً) الى المحيط الهادي، حتى الصين هددت وللمرة الأولى باستخدام القوة للاستيلاء على تايوان. وروسيا تخطت كل الخطوط الحمر مع أوروبا والغرب ووصلت الى نقطة اللاعودة، وكوريا الشمالية تتحضر لمواجهة نووية كبرى في شبه القارة الكورية.
احتقان دولي إقليمي واضح المعالم والمؤشرات، وكما يقول المثل، “عند تغيير الدول احفظ رأسك”.
