#dfp #adsense

رسالة مفتوحة الى بعض منتحلي صفة نواب “الثورة والتغيير”

حجم الخط

لقد وعى بعض نواب الثورة الحقيقيين ان إحداث التغيير الإيجابي في الوضعية اللبنانية، بدءاً من انهاء الفراغ في موقع الرئاسة، يتطلب التفاهم والتعاون مع الأطراف السياسية الوطنية النزيهة وفي طليعتها القوات اللبنانية، وهو ما تجلّى في احد خطوطه الوطنية عبر الالتقاء حول ترشيح النائب ميشال معوّض.

وعليه فإن هذه الرسالة ليست موجّهة الى هذه الفئة من نواب الثورة، وإنما الى بعض من لا يزال يتلطّى خلف شعارات الثورة والتغيير، فيما سلوكه السياسي يجافي كل ما قامت ثورة 17 تشرين على اساسه.

اعزّائي منتحلي صفة نوّاب الثورة والتغيير…

بما ان عددكم في المجلس النيابي محدود، فهذا يحتم عليكم التعاون مع افرقاء آخرين للتصديق على اي اقتراح قانون او تحقيق اي خطوة برلمانية تصّب في خانة شعب 17 تشرين، مثلما تقتضي بذلك اللعبة البرلمانية الديمقراطية، والا تحولّتم الى شاهد ما شافش حاجة في مجلس النواب، وفي الحياة السياسية ككل.

اذا كان كل ما ينتظره شعب 17 تشرين، المُنهك والحزين والمنهوب والغاضب والمُهاجر والمذلول امام الطوابير، هو مجرّد صور وخربشات وشعارات فارغة، بدون اي خطوة حاسمة تصب في اتجاه التغيير الايجابي المطلوب، بدءاً من إنجاز الاستحقاق الرئاسي، فهنيئاً له بكم.

امّا اذا كان ينتظر غير ذلك، فالأجدر بكم امّا ان تكونوا على قدر الأمانة والتوكيل الشعبي، او الاستقالة.

كان يمكن لكم التعنت متشبّثين بشعار “كلن يعني كلن”، ورفض التعاون مع كل الطبقة السياسية، مثلما تفعلون اليوم، لو كنتم اكثرية في مجلس النواب، أو حتى ثلثاً ضامناً، بما كان يتيح لكم تعطيل اي خطوة لا تصب في خانة شعب 17 تشرين، او تمرير اي خطوة تصب في هذا الإطار، من دون منّة من الأطراف الآخرين.

امّا وأنكم لستم كذلك، فهذا يُحتّم عليكم التعاون والتفاهم، اقلّه كمرحلةٍ اولى، ولمجرد تحقيق هدف وطني واحد يُريح الوضعية اللبنانية وشعب 17 تشرين، مع من يُشبه الشعارات التي ترفعونها، ومن بعدها لكل حادث حديث.

وتالياً، ما حاجة ناخبيكم اليكم طالما انكم تشكلون اقلية الأقليات وعاجزون عن تحقيق اي امر بمفردكم، ولا تريدون بالمقابل التعاون مع أحد لتحقيق اي شيء آخر؟

أتيتم بأصوات شعب 17 تشرين التوّاق الى الحرية والتغيير وقلب المعادلات السياسية، لا لتخربشوا اسماً على ورقة بيضاء، ولا لتتهافتوا على حجز مكتبٍ لكم في مبنى البرلمان، ولا لتتسابقوا على اختيار ارقام النمرة الزرقاء، ولا لأخذ الصور والبوزات، ولا لإغراق اللبنانيين بتفاصيل سخيفة من هنا وهناك لإبعاد كأس السلاح غير الشرعي والحقائق الاستراتيجية المرّة عن مواقفكم، ولا لاطلاق تصريحاتٍ في العموميات لا يُعرف كوعها من بوعها، وتفتقد الى الدقّة والتحديد والتشخيص السليم وتسمية الأشياء بأسمائها، ولا للصراخ ورفع الصوت وافتعال الشجاعة المُصطنعة، للتعمية عن المضمون الفارغ لطرحكم السياسي، وتغطية الجبن والتراخي في اتخاذ المواقف والخطوات الجريئة الحقيقية.

العبثية، والعدمية، والسلبية، والتعميم، والتلطي خلف عموميات وشعارات فضفاضة وخربشات على اوراق بيضاء، قد تعفيكم من اتخاذ مواقف وخطوات جذرية تحاكي الأسباب الفعلية للأزمة اللبنانية وفي مقدمها موضوع السلاح غير الشرعي، تماماً كمن يحاول إخفاء نفسه خلف قشرة بصلة، غير انها في الحقيقة هي هروب من المسؤولية الوطنية والاخلاقية، ومن التزاماتكم تجاه الشعب اللبناني.

مثلما أن الفم يتقيّأ المياه الفاترة، كذلك شعب 17 تشرين الذي ينبض بالعنفوان والحرارة والتغيير يتقيّأ المواقف الفاترة والخطوات الفاترة والشخصيات الرمادية الفاترة. ونوّاب اللاموقف.

إذا كان بعض هذا الشعب، في لحظة انفعالٍ وغرائزية، قد اختلط عليه حابل الثائر الحقيقي بنابل الثائر التقليد، فأساء الاختيار هذه المرّة، إلا ان ما يحصل اليوم بعدما ذاب الثلج وبان المرج، سيدفع هذا الشعب لأن يكون أكثر دقّة ووعياً في اختياراته، وسيحذر التقليد.

لبنان الجديد لا يتحقق بمجرد كتابة شعار على ورقة في صندوق الانتخاب، وإنما عبر الممارسة السياسية الصحيحة والكد وإظهار الجدّ، امّا العبثية والعدمية المتمادية فهي تكريس للبنان القديم.

بماذا يختلف أسوَد حروف الأسماء والشعارات على ورقتكم البيضاء، عن أسوَد نوايا واجندات وقلوب جبران باسيل وحزب الله على ورقتهم البيضاء؟ النتيجة واحدة: الإمعان في الفراغ وفي تحقيق سياسات باسيل وحزب الله، كلٌ من زاويته، وإنما بالمواربة.

تضعون اسم نيلسون مانديلا في الصندوق، امّا افعالكم واقوالكم فتتناقض مع جوهر هذا الإسم: هل من نموذجٍ لبناني يتماهى مع مانديلا الجنوب افريقي، اكثر من القوات اللبنانية وقائدها الذين اعتُقلوا ونُكّل بهم لسنوات وسنوات لأنّهم مثلّوا صوت الحق والحرية والانسان في لبنان بمواجهة الاحتلال والطبقة السياسية الفاسدة والمتعاملة، وهو الموقف ذاته الذي عادت وتبنّته ثورة 17 تشرين، والذي انُتخبتم انتم على اساسه واساسها؟

فكيف تُصّوتون لاسم “جعجع” الجنوب افريقي، ولكنكم ترفضون “مانديلا” اللبناني، فتظهرون في اقوالكم مناهضين لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، وفيما اعمالكم تُشبه نظام الاحتلال في لبنان؟!!

من بقي منكم يرفع شعار “كلن يعني كلن”، يعرف في قرارة نفسه انه مخطىء وغير دقيق، غير أن تخاذله وخوفه من مواجهة الأطراف التي تمتلك السلطة والسلاح والتي كانت المسبب الأول للإنهيار ولاندلاع شرارة 17 تشرين، تدفعه للتعميم ومزج السم بالدسم، والوقوف الضمني على الحياد بين الحق والباطل، محاولاً الهرب من الحقيقة حتى لا يضطر للوقوف عارياً امامها وجهاً لوجه، اتّقاءً لشّر هذا السلاح!

كيف تريدون إقناع اللبنانيين بأنكم “ثورة وتغيير وبناء دولة” ومعظمكم يُحيّد سلاح حزب الله عن النقاش السياسي، علماً أن القاعدة الأولى في بناء أي دولة هي في آحادية السلاح الشرعي؟ ولكن بما أننا عرفنا السبب اعلاه فقد بطُل العجب.

في هذه الحالة، يصبح المتخاذل حليفاً موضوعياً للسلاح غير الشرعي، وليس نائباً عن 17 تشرين.

يقول الثائر الكبير مارتن لوثر كينغ، إن “اسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يقفون على الحياد في اوقات المعارك الأخلاقية العظيمة”.

الشجاعة وقول كلمة الحق والوقوف في وجه طبقة الجلادّين الحاكمة كانت صنو الشعب البسيط والعفوي والمقهور في ساحات 17 تشرين، فما الذي يجمعكم بعد بهذا الشعب سوى يافطة “17 تشرين” التي ترفعونها، والتوكيل الشعبي الذي تصادرونه لإستخدامه في غير وجهته الأساسية، او حتى لعدم استخدامه بالمرّة.

مشكلتكم ليست مع الطبقة السياسية، مثلما تدّعون، انما مع انفسكم ومع بعضكم البعض، تحاولون نقلها الى الآخرين لإثارة الغبار و”تضييع الشنكاش” حتى لا ينفضح عجزكم عن الاتفاق في ما بينكم، خصوصاً حول إسم واحد لرئاسة الجمهورية.

لذلك توحدّون اوراق اقتراعكم ليس حول اسم مرشّح لا يمكن ان تتفقّوا حوله لتضارب مصالحكم الشخصية مع بعضها البعض، إنما حول شعارات وخربشات لن تنسف بطبيعة الحال وحدتكم الهشّة والمُصطنعة، ولا تكشف بالتالي حقيقة الاجندة الشخصية لكل واحدٍ منكم، والقائمة على مقولة “كل مين إيدو الو”، ومن بعد حصاني ما ينبت حشيش، بما يتماهى كلياً مع عقلية الطبقة السياسية التي تدّعون محاربتها!

لا احسب أن عقلية الثورة تشبكم في ما انتم تتصرفون به منذ ايار وحتى اليوم، فالثائر الحقيقي يمتلك رؤية ومشروعاً، والأهم انه يمتلك روحاً تغييرية تُبدّي المصلحة العليا على مصلحته الشخصية.

وتالياً فإن سلوككم السياسي كما يظهر حتى الآن، هو ابعد ما يكون عن روح الثورة وفكرها، وأقرب ما يكون الى سياسية السياسيين التقليديين الذين لا لون لهم ولا طعم ولا رائحة، والذين لا يُحرّكهم إلا مصالحهم الشخصية وسياساتهم الضيقة، وهذا ما بدأ الناخبون الذين اعطوكم ثقتهم يستشعرونه، الواحد منهم تلو الآخر، تباعاً.

رفضكم للتعاون مع القوات، والذي تبّررونه بحجّة أن القوات كانت جزءاً من السلطة بعد 2005، هو في حقيقته خشية من إغضاب حزب الله، وليس اي حجّةٍ أخرى. فهل يُعقل ان يصل شعوركم بالخواء السياسي، والشعور الداخلي المتجذر بعدم الأمان الى درجةٍ انكم ترفضون مجرّد النظر والاستماع الى ما تقوله وما تفعله القوات، والذي يتطابق بنسبة مئة بالمئة مع قيم وطموحات ومبادىء شعب 17 تشرين. فكيف ستضعون شعارات الثورة موضع التطبيق الفعلي وأنتم تخاصمون المطيّة الأصلب والأمتن التي بمقدورها حمل طموحات الثورة واهدافها على اجنحة التحليق والتحقيق؟؟؟

وهل يوجد بينكم من لم يكن طامحاً للوزارة، ليس منذ 2005 فحسب، بل منذ ايام النظام السوري ايضاً؟ انزعوا الخشبة من عيونكم قبل النظر الى القشة في عين غيركم…

واذا سلّمنا جدلاً انكم تنظرون الى كل الفئات السياسية نظرة خصومةٍ واحدة، وانتم بالتوازي عاجزون عن تحقيق اي اختراق إلا بالتعاون مع واحدة من هذه الفئات او اكثر، فإن السبيل الأكثر حكمة وبراغماتية للخروج من هذه الدوامة العبثية، هو، وكما يقول فيلسوف علم السياسة ماكيافللي، “بالاّ تحاولوا القضاء على الخصوم دفعة واحدة، بل يجب عليكم ان تتحالفوا مع بعضهم والقضاء على بعضهم الآخر، الى ان تقضوا عليهم كلهم بالتدريج”. اي للقضاء على “كلن يعني كلن” يُفترض بكم، وكخطوةٍ اولى، التحالف مع الأكثر نزاهةً من بين الطبقة الحاكمة المُفترضة في مخيلتكم، للقضاء على الأقل نزاهة منها.

اما انتم فتخاصمون الجميع في العلن، وترفضون التحالف مع قسم منهم للقضاء على القسم الآخر، وتلغون دوركم بإيديكم، ثم تنتحبون “كالنساء” على اطلال “النظام “الطائفي البغيض” والطبقة السياسية الفاسدة!!

واذا كنتم تعتبرون بأنكم تواجهون قسماً كبيراً من الأعداء، والذين هم اركان السلطة والمنظومة والطبقة السياسية المتحالفون مع بعضهم البعض ضد قوى “الثورة والتغيير”، من دون تمييز بين تيار عوني وكتائب ولا بين حزب الله وقوات، ولا بين ميشال معوض وجميل السيّد، ولا بين من هو متجذّر في فساد السلطة وبين من مرّ على السلطة مرور الكرام لتطويرها وتحسينها، فإن السبيل الأكثر حكمةً لتفكيك هي المنظومة، على ما يقول صديقنا ماكيافلي اياّه، هو “في التخلّي عن بعض امتيازاتكم لأحد هؤلاء الأعداء لتجذبونه الى صفّكم. وبذلك تستطيعون ان تنتزعوا من الاتحاد التعاوني الذي يعاديكم أحد اركانه”.

امّا أنتم فتعاندون وتكابرون، وتضعون الجميع في سلّة واحدة، ولكن من دون القيام بأي تكتيك ذكي او مبادرة لامعة للخروج من هذه الدواّمة التي وضعتم انفسكم ووضعتم ناخبيكم بها.

لماذا هذا اللف والدوران، فإذا كنتم تعتبرون انفسكم من المعارضة، حري بكم اذاً التنسيق مع من هو خارج المنظومة الحاكمة التي تُمسك بالسلطة اقلّه من العام 2016، من دون النظر عشر او عشرين سنة الى الوراء!

ختاماً، اعزائي منتحي صفة نواب الثورة والتغيير، انتبهوا وانتم تمعنون في اتخاذ موقف اللاموقف مسترسلين في سياسة العدمية والعبثية، ان تبتعدوا عن المرتكزات التي جاءت بكم الى الندوة البرلمانية، فتصبحوا، شيئاً فشيئاً، على الضفة المواجهة لشعب 17 تشرين، وفي احضان الطبقة الفاسدة. وتذكروا ان الشيطان الرجيم لم يكن في بداياته سوى ملاكٍ رحيم… والسلام.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل