
نجحت عملية 15 كانون الثاني 1986 التي نفذت ضد جماعة السوريين في لبنان بالانقضاض على الإتفاق الثلاثي، الذي كان سيكرّس لبنان محميّة سورية عبر تشريع الوجود السوري، على خلاف اتفاق الطائف الذي لم ينفذ، بعدما أقرّ انسحاب القوات السورية.
سقط الاتفاق الثلاثي بفضل شجاعة وقوة والتزام “القوات اللبنانية” وقائدها سمير جعجع، الذي وقف في وجه حافظ الأسد وجيشه وأفشل مشاريعه وخططه في ذلك الحين لإحكام قبضته على لبنان، إذ استغل بعبقرية، اللحظة المناسبة لتحقيق النصر وتسديد ضربة موجعة للأسد، فبرر الأخير انكساره بالقول، إن هناك جهات أجنبية ساعدت “القوات” لتنقضّ سريعاً وتحرر مناطقها الشرقية غير عابئة بالجيش السوري وحافظ الأسد، بعدما حُسمت المعركة في غضون ست ساعات، وكان عامل السرعة مهماً! ومن الطبيعي ان يسوّق النظام السوري هذه الأكاذيب كي يحفظ ماء وجهه، بعدما ما كان متأكداً أن ابتلاع لبنان سهل، وسهل جداً، فتبيّن له أن الأمر مستحيل.
لم يكن سهلاً على “الحكيم” إتخاذ قرارات في وضع متحرّك، وفي ظلّ خطر تدخّل خارجي كان الأهم بالنسبة إليه في تلك الساعات، فقرر إنهاء الجانب الداخلي من الموضوع ليتفرّغ العسكر تماماً للدفاع عن الجبهات.
في 15 كانون الثاني 1986، وكان قد مرّ على الحرب اللبنانية 11 عاماً، رفضت “القوات” مجدداً محاولات اخضاع لبنان، فهي لمّ تقدّم كل هذه التضحيات، من شهداء ومصابين ومعتقلين, كي يدخل الجيش السوري ومخابراته المنطقة الحرّة، على حصان “طروادة” الطموحات الشخصية والتوقيع على اتفاق مبهم ومرفوض مسيحياً، لا يعبّر عن الوجدان المسيحي، إذ كان يقضي بتسليم لبنان إلى سوريا، وأتت كل كلمة في بنوده لتنصّ على مشروع استسلام وإهانة لديمومة لبنان وإستقلاله.
لم يكن الدكتور جعجع الرافض الوحيد للاتفاق آنذاك، بل لم تكن كل المرجعيات المسيحيّة متحمّسة له، ومن بينها الرئيس كميل شمعون، وكل أعضاء الجبهة اللبنانية.
كان السوريون مستعدون لأن يقدّموا “ثلاثين من الفضة” لأي طموح مقابل الهيمنة على لبنان إلى الأبد. علماً أن “القوات” منذ تأسيسها حتى اليوم، لا تتهاون هي بذاتها، في لفظ أي خلل في جسمها المقاوم. هي شفّافة ونزيهة بمقاومتها إلى حد أنها قادرة على تطهير نفسها بنفسها. وقد حصل ذلك عبر انتفاضات عديدة حتى استقامت الأمور اخيراً. إلا أن النظام السوري كان يحاول استغلال هذا الوهن في الجسم المقاوم احياناً، للفتك بالمقاومة من الداخل. لكن “القوات” كانت دائماً بالمرصاد!
عطّل جعجع آنذاك مشروع دمشق، وما تشتهيه بربط لبنان قانونياً بورقة مشبوهة تصبّ ضد مصلحة لبنان على نحو مطلق، بغية رميه في دياجير التبعيّة لدولة اقليميّة توتاليتاريّة عسكريّة.
ومن يروّج بأن الاتفاق الثلاثي مماثل لإتفاق الطائف فهو مخطئ، لأن الأخير حظي بتأييد أكثرية اللبنانيين وليس جزءاً منهم، علماً أن سوريا دفعت إلى تطبيق “الطائف” وفق مصالحها العاجلة، لكن وثيقة الوفاق الوطني لا تتضمن ما يسمح لسوريا بالهيمنة على لبنان كما ورد في “الاتفاق الثلاثي”، وتحديداً في فقرة العلاقات المميّزة، التي نظّمت مسألة الانسحاب السوري من لبنان.
وإذا كان لبنان اليوم عصياً على تدخلات النظام السوري به، فيعود الفضل إلى محطات عدة تبدأ بمعارك “المقاومة اللبنانية” في الأشرفية وقنات وزحلة مروراً بـ15 كانون الثاني 1986 وصولاً إلى ثورة الأرز عام 2005، وخروج الاحتلال السوري من لبنان…لنبقى!
