#dfp #adsense

سياسة طهران في المنطقة… مكرٌ وتقيّة وعبثيّة

حجم الخط

أكثر ما يميّز النهج الإيراني في سياسات طهران مع محيطها العربي، خصوصاً الخليجي، الانفصام والعبثية، من خلال الهوّة السحيقة التي تفصل بين مواقف المسؤولين الإيرانيين، التي تبدو في الشكل إيجابية وبنّاءة بينما في الحقيقة تخفي النقيض والسلبية من مختلف الملفات الساخنة إقليميا.

ولعلَّ وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، أكثر من يُجسِّد في أسلوبه ونهجه وتصاريحه هذه الميزة المتناقضة. فمن يستمع إلى تصاريحه ومواقفه سرعان ما يتنبَّه إلى الرسائل المبطَّنة التي تحويها، والتي تعاكس الإيجابية الظاهرية التي يتكلم بها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما يشدِّد عبد اللهيان على احترام الجمهورية الإسلامية في ايران لسيادة واستقلال شعوب دول المنطقة، ويدعو للتعاون الإيجابي معها ومع حكوماتها، إنما يمارس التقيّة الدبلوماسية التي تحاول التسويق لنظرية واهية بأن إيران كدولة لا تتدخل، والفصل بين الدولة والثورة المنغمسة في عواصم عربية أساسية من العراق إلى اليمن إلى سوريا إلى لبنان فقطاع غزة، وغيرها، ولديها عبر حرسها الثوري ميليشياتها التي تشكّل فصائل مسلحة وألوية وفيالق لهذا الحرس في مختلف عواصم تلك الدول.

بالتالي، ما حاجة طهران للتدخل المباشر في شؤون دول المنطقة عندما يكون لها في تلك الدول ما يكفي من ميليشيات وتنظيمات تمثّل مصالحها وتنفِّذ أجنداتها؟ فمن لديه حزب الله وأمنيه العام حسن نصرالله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق المتحكِّم بمفاصل الدولة العراقية، وبشار الأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، وحماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، بحاجة للتدخل المباشر؟

بديهيّ أن هذه التقيّة الديبلوماسية لم تعد تنطلي على أحد، واللعبة السياسية الإيرانية باتت مكشوفة. فبموازاة دعوة إيران جيرانها الخليجيين، وفي مقدّمتهم المملكة العربية السعودية، إلى بناء علاقات حسن جوار وتعاون وسلام، نجد طهران تحتجّ مثلاً منذ أيام على تسمية دورة خليجي 25 التي نُظِّمت في البصرة بالعراق، معربةً عن امتعاضها من استخدام تسمية الخليج العربي. وهنا كشَّرت الديبلوماسية “العبد اللهيانية “عن مخالبها وأعلنت عن رفع شكوى للاتحاد الدولي لكرة القدم ضد العراق لاستخدامه عبارة “الخليج العربي”.

كما لفت الاتحاد الإيراني لكرة القدم، في بيان، إلى أن “الخليج الفارسي” اسم قديم وخالد في كل العصور، وأنه سيشكو العراق على استخدامه ما وصفه “بالاسم المزيَّف خليجي 25” بدلاً من اللقب الحقيقي للخليج الفارسي. بالتالي، مجرّد إطلاق تسمية الخليج العربي، تعتبره طهران تجاوزاً على حقوق إيران “في المنطقة”.

هذه الحادثة إن دلَّت على شيىء، فعلى أمرين أساسيين: الأول، مدى حدّة النظرة الإمبريالية الاستعلائية لدى النظام الإيراني انطلاقاً من الكره الفارسي التاريخي للعرب، بحسب الأدبيات الإيرانية المنشورة. والثاني، مدى أهمية الاعتبارات العقائدية والأيديولوجية للجمهورية الإيرانية على ما عداها، كونها القاعدة والمنطلق لكافة سياساتها في المنطقة.

وهذا ما يدفع إلى الاستنتاج، بأن العقل السياسي الإيراني لا يتحمَّل أي اعتراف بالآخر العربي والخليجي، على الرغم من ابتسامات الوزير عبد اللهيان أمام الإعلام وفي لقاءاته الرسمية مع المسؤولين في المنطقة. وهكذا، فإن الموقف الاحتجاجي العنيف ضد تسمية الخليج العربي يختصر إلى حدٍّ بعيد النظرة الإيرانية إلى المحيط الخليجي والعربي والإقليمي.

فعدوّ الجمهورية الإسلامية في ايران الأول هو الهوّية العربية، قبل الإسرائيلي والأميركي وسواهما. وهي أساساً لا تنظر إلى دول المنطقة على أنها دول مستقلة سيّدة قائمة بذاتها، بل ساحات لنشر ثورتها والسيطرة وامتداد الامبراطورية الإيرانية. فالحرس الثوري الإيراني منذ أيام أصدر بياناً أكد فيه استعداده للدفاع عن حرم الجمهورية الإسلامية في كل الساحات ضد نظام الهيمنة والصهيونية.

وقد بلغ الأمر بالإيرانيين حدَّ مهاجمة وسائل الإعلام الإيرانية زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، متهمةً إياه بالتآمر على إيران لمجرّد أنه رحَّب بالضيوف الخليجيين العرب الذين أتوا للمشاركة في دورة خليجي 25. فطهران لا تتحمَّل أن تكون لمعمَّم شيعي أساسيّ مواقف عربية وعروبية.

والنهج الإيراني يزداد يوماً بعد يوم وقاحةً وخبثاً ومكراً، على الرغم من التصاريح الطنّانة والمواقف الباسمة لوزير الخارجية الإيراني، والقول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. فطهران لم تجد حرجاً في الضغط على العراق لاستصدار موقف عراقي رسميّ يعتبر أن قاسم سليماني عندما اغتيل كان في زيارة رسمية للعراق، تمهيداً لفتح قضية أممية بانتهاك سيادة العراق واغتيال شخصية إيرانية كانت في زيارة رسمية لدولة أخرى.

هنا ومن أجل مصالح طهران لا حسن جوار ولا عدم تدخل ولا من يحزنون. وهذا التصرّف الإيراني يندرج في السياق ذاته أعلاه، من نظرة إيران إلى دول المنطقة على أنها ساحات لأجندتها الإقليمية ومصالحها، وما على الساحات إلا الاستجابة لمتطلبات تلك الأجندة.

هكذا هي إيران نظام الملالي والحرس الثوري، من طهران إلى غزة. والسؤال الذي يفرض نفسه، كيف يمكن الاتفاق مع دولة لا تعترف أساساً بوجود الآخرين؟ وكيف يمكن تصديق عبد اللهيان عندما يدّعي السعي لبناء علاقات حسن جوار مع المحيط الخليجي والعربي؟

إنها العبثية الإيرانية والانفصام المتعمَّد في سياسة طهران تجاه المحيط، بين الباطن والمعلن. جمهورية ثورية لا تستطيع العيش إلا في حالة عداء مع المحيط كي لا تفقد مبررات وجودها، ومبررات سعيها للسيطرة على دول المنطقة وتصدير ثورتها وضرب المجتمعات الخليجية والعربية ببعضها، تنفيذاً لمصالحها ومآربها.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل