
الأكيد أننا دائماً دائماً في كامل الجهوزية، لإسقاط أي محاولة لابتلاع لبنان، والا لانتفى سبب وجوهر وجودنا كمقاومة. أما زلتم “مقاومة”؟ سيسأل بعضكم. في الواقع الميداني للأمور، نحن المقاومة الأصلية الفعلية لكل ما ومن يسعى من كل قلبه وكيانه لمحو كيان لبنان.
15 كانون الثاني 1986، أتذكرون التاريخ؟ أتذكرون ذاك اليوم المجيد من تاريخ لبنان المقاوم؟ قد يريد كثر محوه من الذاكرة الجماعية وحتى من كتب تاريخ لبنان الحديث، لكن لا بأس، نحن هنا للتذكير ولإنعاش الذاكرة وإحياء نبض الثورة فينا الذي لم ينطفئ أصلاً.
كتب المناضل جورج مطر، “هذا يوم صنعه المقاومون”، هذا هو التعبير الصحيح بكلمات قليلة لكنها بحجم الحدث.
كان يوماً صعباً سبقه أيام تمهيدية أصعب، ابتداء من انتفاضة 12 آذار 1985 مروراً بالأحداث الأمنية المتفرقة التي شابت المناطق الشرقية المحررة يومذاك. كان صراع مسيحي حاد، والمناطق الحرة هي الساحة بين فكرين متناقضين تماماً، أحدهم يريد الاتفاق مع سوريا حافظ الاسد، لأسباب سلطوية ومكاسب سياسية، وآخر يرفض الأمر جملة وتفصيلاً انطلاقاً من الحرص على دماء الشهداء ونضال المقاومين والأهم، حفاظاً على كيان لبنان من سطوة الاحتلال السوري.
لوهلة نجح الأول، وحصل الاتفاق الثلاثي الذي وُقّع في دمشق، وكان يقضي، فيما يقضيه، بعلاقة تكامل مع سوريا، والمثالثة من ضمن المناصفة، وإلغاء الطائفية السياسية (تمهيداً لإلغاء دور الموارنة في لبنان)، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية. اذن اتفاق اذعان تام للمحتل السوري، وعرابوه من لبنان، وبموجبه يحصل الجانب اللبناني المُوقِّع على عشرة وزراء وما يزيد عن 20 نائباً.
لبس سمير جعجع بدلته الزيتية الشهيرة، استجمع كل قواه العسكرية، وقف أمام مرآة ضميره، هل يترك السوري يبتلع لبنان، مقابل سلام مصطنع كاذب، مزيل بالعار والمهانة، أم يعرض المناطق الشرقية لخضة أمنية مسارها المواجهة ونتائج إنقاذ لبنان من أنياب حافظ الاسد؟ وكما العادة اختار الرجل القرار الصعب، المواجهة. كان يعرف أن الثمن باهظ، وأن دماء ستسيل، وأن المسيحيين سيخافون، سيترددون، سيتفرقون، لكن، كان يعلم أكثر أنه لو اختار القرار السهل، لأصبح لبنان ممسحة الغزاة وعار الأجيال ولتحوّل المسيحيون الى مسيحيي المنابر والكراسي وفقط، ولأصبحنا جميعاً أزلام الاحتلال بدل أن نكون رجال الوطن.
نزل الشباب ببدلات القتال المشرّفة، وانتزعوا تلك الاتفاقية من فم الأسد انتزاعاً. مزقوها، أحرقوها، ألغوا حتى رمادها. قاومت العين المخرز، فعلتها، وفعلتها بقوة الإيمان بأنه إذا قررنا وتسلحنا بأرزنا ومسيحنا، يمكننا أن نصل الى مبتغانا، ووصلنا، لوحدنا، بقوة هؤلاء الأبطال الذين نذروا حياتهم للشهادة. لم يخرجوا يوماً من بيوتهم إلا ووضعوا وصية في عيون أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم، إذ كانوا يعلمون أن الموت في انتظارهم، وأنهم إذا عادوا أحياء فتلك مكافأة من الرب.
زرعوا يومذاك الشوارع خوفاً عند المتواطئين، وفخراً عند اللبنانيين الأحرار. لوحدهم وسط رفض الجميع وانكفائهم، دمّرت القوات اللبنانية بقيادة ذاك الشاب الشجاع، سمير جعجع، أطماع حافظ الأسد بالتهام لبنان من خلال موارنته تحديداً، وسقط حافظ الأسد بضربة الأحرار القاضية على أحلامه الدموية، وكان سقوطه عظيماً. انتقم لاحقاً في قصفه العشوائي الحاقد للمناطق الشرقية، اجتاحها، دمّرها، ولكننا بقينا في الخندق الآخر نقاوم وببسالة نادرة.
أنقذت البدلة الزيتية أخضر المناطق الشرقية، وصار الاتفاق الثلاثي حبراً على دماء بذلت لأجل الحفاظ على الكرامة وبقاء لبنان. وحتى اللحظة، نحن نقاوم. راح الاحتلال السوري، حلّ مكانه الإيراني، و”القوات” هي هي، تقاوم المخرز، وقت الخطر تعود دائماً قوات، ووقت السلم الإيد ل بتعمر نحنا.
15 كانون الثاني 1986، كان يوماً عظيماً في تاريخ الحرية، وقعه قائد شجاع مجنون بالحرية وببلاده، ومناضلون شرفاء أبطال هزموا الأسد في عرينه وانتصروا للحق وللبنان، وها نحن اليوم نعلن ذاك اليوم يوماً مجيداً في تاريخ الوطن.
