كونوا واحدًا

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1736

الخلافُ البشريُّ السطحيُّ الأنانيُّ الشخصانيُّ المُستفحِلُ بين مَن يُفتَرَضُ أنَّهم أعمدةُ الكنيسةِ الجامعةِ المؤسَّسَةِ تأسيسًا آبائيًا ربَّانيًا هو مُتجذِّرٌ فيها ومُتفَشِّ منذ دنا من يسوع قُطبان مِن أقطابِها الإثنَي عشر هما يعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه يُطالبانِه بمطلبٍ مُستغرَبٍ بقولهما له: «يا معلِّم نُريدُ أن تُلبّي طَلَبنا». ولمّا استوضحهما عن نوعيَّة الطلب تفاجأَ بهما يوَضِّحان: «أعطِنا أن نجلسَ واحدٌ عن يمينِكَ وواحدٌ عن شمالِكَ في مجدكَ». هنا سألهما إبنُ البشر إن كان بمقدورهما شربَ الكأس التي سيشربها ويقبلا معمودية الآلام التي سيقبلها، فتسرَّعَ الطامحان الطامعان إجابتِه: «نعم إنَّنا نقدرُ». هنا صدمَت إجابةُ يسوع غرورَهما الجامح: «نعم الكأسُ التي أشربُها تشربانِها، ومعموديةُ الآلامِ التي أقبلُها تقبلانِها، أما الجلوسَ عن يميني أو عن شمالي، فلا يحقُّ لي أن أعطيه، لأنَّه للذين هيَّأهم أبي لهم»!

فوقَ أعالي مملكة الجمعة العظيمة اعتلى الملكُ عرشَ المُسمَّاةِ خشبةَ الذِّلِ والعار إعتلاءً مشدوخًا من أعلى الرأس حتى أخمصِ القَدَمين. وَسطَ مأساة تلك المَوقَعةِ الجلجليةِ الدَّمويةِ العصيبةِ توارى الطّامحون للمناصب والمراتب، فكان يهوَّذا خائنًا خائبًا مُنتحرًا، وكان بطرسُ مُرتعبًا رعديدًا جاحدًا، وكانَ رفاق يعقوب ويوحنّا متوارين عن الأنظار. وأمَّا أميرُ أمراءِ صولجان القَصبَة وبرفيرِ اللحمِ المفتوحِ وتاجِ الشَّوك وخواتم المسامير فلم يجلسَ عن يمينِه وشمالِه إلاَّ لِصُّ اليمينِ ولِصُّ الشَّمال!!

خط الكوكب الميلادي

عندَ ملءِ الزَّمنِ صارَ الكلمةُ جسدًا، فمَن خوَّلَ هؤلاءَ الرؤساءَ الأحبارِ المُتنازعين المُتخاصمين المُتناحِرين المُتقاسمين أن يُرَسِّموا للإبن الذي أرسله الآب نورًا للعالم، حدودًا بين شرقٍ وغربٍ وشمالٍ وجنوب، والكوكبُ الميلاديُّ المُشرِقُ من يعقوب آتٍ على رنيم ملائكة المُخلِّصِ الرَّضيع :»المجد لله في العُلى وبين النّاس المسَرَّة»، إنَّه آتٍ بعظيمِ مجدِ أقانيمِه الثلاثة :المحبّةُ والخلاصُ والفداء، ومجيئُه ما كان ولن يكون لمحدوديَّةِ وبطلانِ أمجادِ أحبار التَّقويمِ الغربيّ وأحبارِ التَّقويمِ الشَّرقيّ وأحبارِ تقويم الكلام!

عند ملءِ الزمنِ تألَّمَ وصُلِبَ وقام في اليوم الثالث، فبأيِّ حقٍّ يا أركان الشَّريعةِ والتَّشريع تُشرِّعون للمريمات حاملاتِ الطيّوبِ المُتسابقاتِ بشوقٍ ملهوفٍ إلى ضريح القدوس أن يتسابقنَ بين سبتِ نورٍ غربيٍّ وسبتِ نورٍ شرقيٍّ، فتُحزِنون صاحب البستان والضريح يوسف الرّامي، وترفعون معنوياتِ حرّاس القبور ومآمير الموت، وتُدمِعون قلب وعيني بشير القيامة الهازجِ الهاتِفِ للمجدليّةِ وأخواتِها الطيِّبات وللمسكونةِ بأسرِها وأسراها :»لما تطلبنَ الحيَّ من بين الأموات إنَّه قد قام وسبقكنّ إلى جليل الأمم»!

فالأبناءُ الأوائلُ للكنيسةِ المُجاهدة، كنيسة الولادة والبشارة والشِّفاءاتِ والصَّلبِ والقيامةِ، إنطلقوا بها وفيها ومعها بخطٍّ مُستقيمٍ، إستقامةِ السَّيرِ القويمِ بين نِصفَ ليلِ خَشبَةِ المِزوَدِ ووضحِ نهار خَشبَةِ الصَّليبِ من دون أدنى التفاتٍ إلى مَن هوَّ المُدَّعي بامتلاك كامل حقوق أزمنة الرب في ميلاده وصلبِه وقيامتِه. هؤلاء الأبناء الذين امتلكوا برارة الإنتماء وبراءة الإيمان وتطويبات البسطاء بالروح، إنطلقوا من كنيستهم وكنيستنا مِن تحت الأرض وعتمات الدياميس وميزة البطولةِ الشهاديةِ بالثباتِ على نداء يسوع إبن الإنسان والفداء :»مَن يعترِفُ بي أمام الناس أعترفُ به أمام أبي في السماء». فلم يتطاحنوا على أيِّ عرشٍ وأيِّ لقبِ وأي إمتياز، فتسابقوا فَرادى وجماعاتٍ لأن يُطحنوا بين أنياب ضواري ملاعب الوحوش البشرية المالكي ألقاب أباطرة روما وأخوات روما!

وَسطَ حالكِ ظلاميات كنيسة القرون الوسطى، تداخل ما هو لله بما هو لقيصر، فدخلت الذئاب الخاطفةُ تنهشُ بإيمان أبناء الحظيرة، ليتمَّ ما صارحَ به ونبَّه منه الراعي الصّالح: «أضرب الرّاعي تتبدَّد الرعية». فاعتزل بعض مُدَّعي الرعاية مبدأ وغاية الكنيسةِ الجامعة بنيها «كما تجمعُ الدجّاجةُ الأمُّ فِراخها تحت جانحيها».. فانصرفَ كلُّ جامحٍ منهم ومُنشَقٍّ وشُقاقيٍّ إلى خَطبِ وِدِّ ولَثمِ يَدِ قياصرة الزمان، فشَقّوا رعاياهم وشَتَّتوهم كلاً إلى مكان قيصره المُعتَمَد، فَحقَّ الترنُّمِ والتفجُّعِ بترنيمة الأم الحزينة: «ناح الحمامُ على تَشتُّتِ أهليها»!

زلزال حجاب الهيكل

عام 1054 مسيحية كان عام الزلزال الذي هزَّ أركان كنيسة العهد الجديد بذات التردُّدات التي أسقطت حجاب هيكل العهد القديم لحظة سلَّم المُعلَّقُ بين السماء والأرض روحه للآب السماوي وجسده المُثخَن بالفداء لحضن أمِّه مريم وللإنسانية جمعاء، ولحظة جاهر قائد المئة «في الحقيقة كان هذا إبن الله».

عام 1054 أشهر بابا روما الحرم الكبير على بطريرك الكنيسة الشرقية الذي رَدَّ الحرمَ بالحرمِ، فسقط حجاب أحبار تقويم الرأي على مئات السنين من أحجية الإنشقاق الكنسي الأثيم ..ثمَّ زاد المآثم مَآثم جنوح الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 التي دعا إليها البابا إينوستنيوس إلى دخول مدينة القسطنطينية بدلاً من دخولها إلى الأراضي المقدسة، حيث تمَّ سبي ذخائر رفات القديس باسيليوس ورفات القديس يوحنا فم الذّهب، فتعمَّقت الجراح وتأجَّجتِ الأحقاد والتهبت جراح يسوع النّاصري في مئات سنين من المسامير المغروزة في شَقاء جسدِ كنسيتِه وشُقاقِه وشُتاتِه!

يوم عيد الدنح 6 كانون الثاني عام 1964 كان يوم الروح القدس بامتيازٍ من الآب والإبن. هذا النهار وفي بلاد ميلاد يسوع وبشارتِه وشفاءاتِه وآلامه وصلبه وقيامتِه وصعوده وعنصرتِه، كان اللقاء المُنتَظَر بين رأسي الكنيسة الغربية والشرقية قداسة البابا بولس السادس وقداسة البطريرك المسكوني أثينا غوراس حيث تعانقَ المُلتقيان باسم الرب ووحدة بيعتِه عناقًا طويلاً طال انتظاره، ثم عقد الركنان يوم 7 كانون الثاني خلوةً كان ثالثُهما فيها الروح القدس، تمَّ في خلالها تبادل رفعِ الحرمِ الكبير، فقبَّلت الكنيستان الغربية والشرقيّة خَدَّ يسوع الأقدس قبل أن يُقبِّلُ كلُّ حبرٍ أعظم رأس أخيه البطريرك الأعظم!

عام 2004 كان أيضًا من الأيام التي صنعها الربُّ ومن الأيام التي رجاها واشتهاها أبناء الكنيسة الجامعة، يوم بادر قديس تحرير الشعوب والعقول والضمائر والقلوب البابا يوحنا بولس الثاني إلى إعادة الأمانةِ النفيسة إلى الكنيسة الشرقية حيث سلَّمها الذخيرتين «المُختَطفتين» من مدينة القسطنطينية عام 1205 على أيدي حملةٍ صليبيَّةٍ ضَلَّت طريقها وضلَّلت أهدافها ومراميها، ذخيرة رفات باسيليوس الكبير وذخيرة رُفات يوحنا فم الذهب، فصَفَت النوايا وتنَصَّعت المساعي واشتاقت القلوب إلى يوم وحدة الجسد الواحد!

آباءنا رؤساء البيعتين

لا تسمحوا بعد اليوم بأعيادِ ميلادٍ تكون فيها الرعيَّةُ تتبادل التهاني بمولد إبن الرب والإنسان بينما الرعية الأُخرى مشغولةً بتهيئةِ المزودِ والقماطات له!

لا تسمحوا بعد هذه السنة بأعيادِ قيامةٍ تقرعُ فيها الرعيَّةُ أجراسَ البشائر والأفراح بقيامة المُنتصرِ على الموت بالموت، بينما الرعية الأخرى تكون مُنشغلَةً بتهيئة رتبةَ مراسم آلامه وصلبِه ودفنِه!!

آباءنا

معكم نردِّدُ وراء يسوع عريس الكنيسة الواحدة الجامعة صلاته للآب :»ليكون الجميعُ واحدًا، كما أنتَ أيها الآب فيَّ وأنا فيكَ، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمنَ العالم أنَّكَ أرسلتني»!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل