العَينُ والمِخرَز

ما شهدناه، في الأيامِ القريبةِ، سقطةً مُدويّةً لِما كنّا نأملُ في أن يكونا مدماكَي كيانِ الدولة، أقصدُ القضاءَ والأجهزةَ الأمنيّة. ربَّ واحدٍ يقولُ إنّ هذه السقطةَ التراجيديّةَ ليسَت بنتَ ساعتِها، فهي لم تَكُنْ مُتَخَيَّلَةً أو مُفاجِئة، لأنّ فصولَها بدأت تتوالى منذُ عُمِلَ على تدميرِ المؤسّساتِ، وعلى هلهلةِ الأجهزة، وعلى سَحقِ القانون، ومِن قبلِ جريمةِ المرفأ. أمّا ما حصلَ في الأسبوعِ المُنقَضي، فليس سوى واحدٍ من فصولِ تلك الخطّةِ الشيطانيّةِ، لنَحرِ سمعةِ الوطن، ولتسميرِ الناسِ على فوّهةِ الخوف، بأَذرعٍ أخطبوطيّةٍ دنيئةٍ لا تُنبِئُ إلّا بالبَشِعِ من الزمنِ الآتي.

إذا استعرَضنا المواقفَ التي أطلقَها الأفرقاءُ على السّاحةِ السياسيّةِ، لنتبيَّنَ الخيطَ الأبيضَ من الخيطِ الأَسوَد، لا نرى إلّا تناحُراً، وتنافُراً، وانقساماً عاموديّاً في مشهدٍ يَندى له جبينُ الكرامةِ الوطنيّة. فبدلاً من التَّشاركِ في انتفاضةٍ على مُختَرِقي القوانين، وثورةٍ على مُنتَهِكي الأنظمة، دفاعاً عن الحقّ، يَعمدُ البعضُ المعروفُ، وبكلِّ وقاحةٍ، ودناءة، الى دعمِ الهمجيّةِ البوليسيّةِ الرّعناء، والظّلمِ المُتمادي في أداءٍ قضائيٍّ مُعوَجٍّ قَصداً، لترسيخِ طلاقٍ مع حقِّ الناس، وكأنّ العسكَرَ والقُضاةَ استبدلوا سلوكَهم الموزونَ بأداءٍ ميليشيَويٍّ مرفوض، يُجافي، تماماً، ما نَصَّت عليهِ القوانينُ التّنظيميّةُ لِكِلَي الجهازَين، بالمسموحِ والممنوع.

لم نَرَ، في المشاهدِ المتلاحقةِ من على الشّاشات، إلّا قَمعاً غيرَ مسبوقٍ وبأسلوبٍ مُحتَكِمٍ الى الحقد، وبنهجٍ تَصفَوِيٍّ لحراكٍ مشروعٍ يهدفُ الى إخراجِ الحقيقةِ من حُفَرِ القضاءِ المُشَوَّه، والذي يتعاطى استنسابيّاً مع القضايا المُحالَةِ إليه، تشويهاً وتزويراً، لتُشَلَّ معهما الحقيقةُ فتنتقلُ العيوبُ مِمَّن أتاها الى مَنْ حصَّنَته منها قِيَمُهُ. إنّ جريمةَ العصرِ في مرفأ بيروت، لم نعدْ نعرفُ مَهابَّ الرّيحِ فيها، والى أين ستتَّجِه، ومتى تُتَوَقَّعُ هبَّةٌ تلفحُها لجلاءِ الحقِّ والعدل… إنّ في ذلك، حقّاً، استبطاناً مشبوهاً لمؤامرةٍ بالغةِ الخطورة.

كنّا حسِبنا أنّ لوثَةَ الميليشياتِ أصبحَت، في الأذهانِ، مجرَّدَ ذكرى، مُسَخِّرينَ جهودَنا، وإِنْ على غيرِ اقتناع، لعدمِ نَبشِ رُفاتِ الماضي، فإذا بها تنسحبُ، وبشكلٍ مُوَثَّق، على أداءِ جهازَي العسكرِ والقضاء. وهذه المسألةُ ليسَت تفصيليّةً، فضوابطُ القانون انتُهِكَت، إِنْ بعرقلةِ مسارِ التّحقيق، وإِنْ باستراتيجيّةِ القَمعِ والعنف، ما سلَّمَ رقبةَ الحقيقةِ الى مقصلةِ الكَذب، وحصَّنَ سياسةَ كَمِّ الأفواهِ بالتّرهيب، فباتتِ البلادُ في حالةٍ متهالِكةٍ وكأنّها ذبيحةٌ مُدَنَّسة.

إنّ ما جرى ليسَ سوى محاولةٍ لرَدِّنا الى عصورِ الظّلام، لتتمدَّدَ مواسمُ السجّانين، ولنشرِ وباءٍ خبيثٍ هو عِقمُ الحريّة. إنّ ما جرى يحاولُ أن يُرغمَنا على التّسليمِ بأنّ المجرمَ يملكُ حقَّ التصرّفِ بحياتِنا، وأنّ علينا ترحيلَ النّضالِ الى زمنٍ آخر. في المقابِل، زِدنا تَيَقّناً بأنّنا لم نفتقِدْ الى مواجِهينَ أنجزوا جرأةً فتّقَت أقبيةَ التّطويع، ولم يُرعِبْها القلق، وبادروا الى التصدّي للمُتَلَطّينَ خلفَ أَلقابٍ، ومراكز، بإيمانٍ وبصدورٍ عارية. هؤلاءِ هم الأبطالُ، وحِراكُهم هو، وحدَه، الظاهرةُ الصحيّةُ في معركةِ غَلَبَةِ حريّةِ الحقّ على سلوكِ الشّاعِرين بالقوّةِ، زوراً، وتَفَوّقِ الكلمةِ التي تنضحُ كرامةً على تهديدٍ نَتِنِ النّبرة.

إنّ ما جرى، بالأمس، هو تقويضٌ صارخٌ لقاعدةِ الحريّةِ المُصانةِ بالدّستور، والتفافٌ مفضوحٌ على مطلبِ الشّعبِ في معرفةِ حقيقةِ جريمةِ المرفأ، وتشويهٌ لصورةِ الوطنِ ولو صيغَ تبريرُ مُتَقَمِّصي المراتِبِ بألفِ حجّةٍ سفسطائيّة. هل يستطيعُ هؤلاءِ مَنعَ شعورِ الناسِ بالقَرَفِ، منهم، والكُرهِ، والإشمئزاز؟ فالقَرَفُ باتَ خبزَنا اليوميَّ، والنُّفورُ مِمّا أُجبِرنا عليهِ من فقرٍ، ويأسٍ، وإفلاسٍ، وخيبة، حوَّلَ نورَنا بشاعةً، وأملَنا هشاشةَ ثقة. ولن يُقنِعَنا قائلٌ بأنّ اللَّبيبَ العاقلَ هو مَنْ يؤاخي الظّرفَ، كيفما كان، بِلينٍ وطواعيّةٍ، حتى لا يَقصفَهُ الظَّرفُ ويختمَ عليه، فإنّ الذين قضى لهم أبناءٌ وأنسباءٌ وإخوةٌ وأصدقاء، في جريمةِ المرفأ، واجهوا، باندفاعٍ وشَغَف، ولم يحسبوا، منذُ كانتِ الجريمة، وحتى الساعة، أنّ الإحباطَ مسموح، وأنّ تحرّكَهم المُحِقَّ سيؤولُ الى خاتمةٍ بائسةٍ لسَرابٍ هائمٍ، مهما طالَ الزّمن. فهؤلاءِ قالوا: إنّ العَينَ ستواجِهُ المِخرَز، ولن تَعجَز…ونحنُ معهم.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل