
قصة بطل…
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
هو الموت يأتي فجأة، يخطفنا الواحد تلو الآخر، ومن نعمة الإيمان فينا، نتقبل ذلك برضى وتسليم. لكن الموت ضيف ثقيل يقع علينا بين حين وآخر فيترك فينا جراحاً عميقة لا تلتئم طالما نحن أحياء.
كانون وبرده القاسي وشتاؤه العاصف، يخطفنا الواحد تلو الآخر، ونذهب في الأرض والثرى، نزرع الأرض من دمنا ومن جسدنا وروحنا، فتنبت زهراً وربيعاً، وتنتج فينا غلالاً ومحاصيل وفيرة. هو كانون الشهادة والاستشهاد، كانون الدفاع عن حقنا وأهلنا، عن كراماتنا وناسنا. كانون يأخذنا ويترك فينا بصمة بعرق جباهنا التي تلامس مشارف الشمس وإشراقة الفجر.
عادل سابا يعقوب رحمة، من بشري، ابن السادسة والعشرين، أحب الحياة، وعاشها بكل ما أوتي من حيوية وابتسامة، هو الذي عرف معناها فصنعها… صنع حياته وطواها كما أراد، كما فهم معنى الحياة.
سار عادل نحو الخطر مع رفيقه سمير جعجع ورفاق القضية، وأسقطوا الاتفاق الثلاثي في 15 كانون الثاني من العام 1986 موجهين صفعة قاسية لعنجهية المحتل ومخططات نظام حافظ الأسد.
في السادسة صباحاً من ذلك اليوم وُضِعَت اللمسات الأخيرة لعملية إعادة القوات الى أصالتها وانتزاع لبنان من فم الأسد، ولكن الثمن كان غالياً جداً، سقط عادل شهيداً…
سيطر الخوف على قلب الأم التي شعرت بأنها فقدت عزيزاً.
استمرت في المشي. خارج البيت رأت الناس ترتجف، وداخله كان قلبها هي يرتجف، وفوجئت بتجمهر الناس أمام منزلها، فصدق شعورها وأدركت حينها فقدان قلبها. رحل عادل تاركاً ثلاثة أولاد، سابا ثلاث سنوات، جوزيف سنتان، وعادل في رحم أمه.
هو الألم الأعظم حين يتجاوز أقصاه. أم تنتظر ولدها فيأتي محملاً فوق الأكف، تلاحقه عيناها كحمامة فلا تجد ما تفعله في لحظة الوداع الأخيرة سوى الزغردة. تستمع الى كلمات التعزية والصبر، لكنها في أعماقها تعرف أن ابنها قد رحل. تعرف أنه لن يطرق الباب بعد اليوم، وأنها لن تسمع صوته.
الوالد يتماسك ويتمالك. يتذكر تفاصيل طفولة ولده، يتذكره يافعاً وشاباً، لكن… لم يبق من كل ذلك سوى تفاصيل الذاكرة اليومية. يحاولوا جميعاً أن يستعيدوا صدى صوته، طريقته في الحديث، كلماته المميزة، ضحكته، وسامته، فيفيض الوجع النبيل وتتوقد الذاكرة فلا تترك تفصيلاً.
يعم المكان والفضاء فيض من عاطفة رهيفة، ويحتل الابن الراحل مساحة الوجود. يظهر في كل شيء… هو حاضر حتى النهاية. هو حاضر… فتنسى الأم رحيله وتناديه باسمه وتنكسر نحو ذاتها حين يرتد إليها الصدى…
تحية لروح الشهداء الذين سقطوا في هذا النهار.