ثورة النسّاك

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1736

ها هو آشعيانا الإهدنيُّ اللبنانيُّ الأنطاكيُّ البطريركُ المنارةُ والذّاكرةُ إسطفانوس الدويهي يفتَحُ سِفرَ رؤياه التاريخيَّةِ والتأريخيَّةِ على مخطوطةٍ مِن عيونِ مخطوطاتِه تُلهبُ أيمانَنا ورجاءنا بضياءِ سيرةِ آيةٍ نُسكيَّةٍ مَتريتيَّةٍ قزحيّاويَّةٍ مِن آياتِ محابس ومناسك القرن السادس عشر في وادي قازو حايو (كنز الحياة) الحبيس الأعجوبة يونان المتريتي الذي قال عنه الدويهي :»جاهدَ هذا البار في حياة النُّسكِ مدةَ خمسين سنة. فشهِدَ تلميذُه الحبيس جبرائيل الإهدنيُّ أنَّه لم يكُن يأكلُ إلاَّ مَرَّةً واحدةً في اليومينِ.

أمّا في الصَّومِ الأربعيني، فلم يكن يذوقُ طعامًا إلاَّ يَومَي السبت والأحد. وكانَ صيامُه يمتدُّ من العنصرةِ إلى الميلاد، ومن عيد الغطاس إلى الفصحِ، ولم يكُن يشرب الماء إلاَّ يوم السَّبت، وكان في سبتِ الآلام يسجدُ على الأرضِ أربعة وعشرين ألف سجدة «مطانيّة ،»وفي سائر أيام الصَّومِ كان يسجدُ حتّى يسيلَ عرقُه. وعلى الرغمِ من هذه القساوةِ على نَفسِه، ظلَّ الحبيس يونان مُتحليًا برحمةٍ وحنوٍّ لا نظير لهما نحو الآخرين.

وعندما أحسَّ الحبيس يونان بدنو أجَلِهِ، أرسل وطلب البركة والحلَّ من البطريرك موسى العكّاري، ومن المطران قرياقوس بن حبلص الإهدنيّ، فحضرَ الإثنانِ إلى محبستِه. وبعدما حَرَّضهما على المحبة والوفاق وأوصاهما بالسَّهرِ واليقظةِ على خِرافِ المسيح، أسلمَ روحَه الطّاهرة بيد الخالق. فشاعَ خبرُ وفاتِه في كلِّ الأنحاء، فهرعَ رؤساء الديورة والإخوة والنسّاك إلى دير مار أنطونيوس قزحيّا ليتباركوا مِن لمسِ جسدِه الطّاهر الذي أضناه في مدةِ خمسين سنة بالعبادة والأصوامِ والتقشُّفِ. وبعد أن شيَّعوه بالبكاء والدموعِ، دفنوه بكلِّ إكرامٍ في محبسةِ الدير .ويؤكَّدُ البطريرك الدويهي أنَّ جسده لم يزَل حيًا دون فسادٍ حتى أيامِه!!

هاهي قاديشا قاديشانا قارَّةُ الأقداسِ المُعطاةِ للقديسين، ومعقلُ العُصاةِ على المدنيَّةِ المُبرمَجةِ بالماديَّةِ. ها هي وادي الدموع، دموعُ زُهّادها المعصورةُ من جباههم عرقًا يعجنُ رماد التوبةِ كعجنِه تراب الأرضِ خبزًا لكلِّ زارعٍ خرج ليزرع. دموعُ مُتوحِّديها المُقطَّرةُ من أحداق عيونهم زَيتًا عُرسيًا يملأ مصابيحهم زيتًا للعريس الآتيهم كلَّ صباحٍ مِن خٍطبةِ مريم على يوسف وعرس العذراء على الروح القدس  ليتمَّ الإحتفال بعرس الأعراس وفرح الأفراح إحتفالاً أَفراميًا يعقوبيًا حول قرّاية صلواتهم الآراميَّةِ الحاكية حكاية عريسهم الباقي معهم إلى أن يرتفعَ من بينهم أوان الإرتفاع من شرابِ الخَمرةِ الجيِّدة إلى شراب الخلِّ والمُرّ.

وها هيَّ قاديشا قاديشانا وادي الدموع، ولعناقيدِ دواليها وكرومها المُعلَّقةِ دموعٌ خمريَّةٌ تلتهفُ إليها الكؤوسُ المرفوعةُ قداديس وكهنوتًا أبويًا يُنشدُ عند شَيلةِ القربان نشيد الإبن الذبيح :»أَبو دقُوشتو هو بْروخ دِبحو دَمْرَعِ لوخ»، أو يا أبا الحق هوَّذا ابنُكَ ذبيحةً تُرضيك!

يونان المتريتي كوكبُ القرن السادس عشر السّاطعُ في وادي قزحيا سطوع الكوكبِ المُشرقِ من يعقوب، عاش حبيسًا في قامةِ وطنٍ وقيامة شعبٍ قاما منذُ كانا بقوانين صارمةٍ قاسيَّةٍ نورانيّةٍ كقوانين الحبساء. وعاشَ المتريتيُّ وطنًا في هامة حبيسٍ لا يطمح لوجوده وصموده وبقائه إلاَّ مساحةً بقياس مساحة آيةِ: «ليس بالخبزِ وحده يحيا الإنسان»!

إنَّ لبنان المَتريتيّ قد تربّى ونشأ على أبوَّةٍ لا تربِّي أبناء شاطرين بقسمَةِ الميراثِ الوالديِّ لأجل أن يأخُذَ حِصَّته ويرحلَ بعيدًا بعيدًا. وقد يكون الطموحُ والسعيُّ إلى  شهادات الخارج العُليا وعيشِه الرغيد ومعاشاتِه المُغريّةِ هما شِبهُ الغواني التي استبدلَ بهنَّ الإبن الشّاطر رأس أبيه وكتفِه ووسيع صدره!

بعد أن شارف الوطن الكيانُ على أن ينزلِقَ بمُعظمِ شابّاتِه وشبابِه إلى ذات بطنِ الحوت الذي انزلق إليه يونان النبيُّ ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، حوتِ السفارات التي تعتقلُ جوازات سَفَرها كثيرًا كثيرًا من أهلنا وأبنائنا.. حوت حقائب السَّفر التي ابتلعت آلاف خزائن ملابسنا وأواني بيوتنا.. وبطن حوتِ طائراتٍ تحمل فلذات أكبادنا ومهجات قلوبنا ولآلئ عيوننا إلى مطارات الغربةِ تفريغًا سفَّاحًا مُجرمًا يُعدمُ وطنًا بأكملِه وشعبًا بوجوده!

نحنُ جميعنا وبدون تردُّدٍ وترداداتٍ لا طائل منها مدعوون وبإلحاح ضميرٍ مُلتهبٍ بهذه الفجيعةِ الوطنية إلى تنظيم ثورة نسّاكٍ تبدأ من كنيستنا التي ما كانت يومًا ولا نًريدها يومًا إلاَّ كنيسةً مُجاهدةً شاهدة وشهيدةً تنطلق من بطريركيَّةٍ ميراثُها إرميا العمشيتي ودانيال الحدشيتي وإرميا الدملصاوي وجبرائيل حجولا وإسطفانوس الدويهي ونصرالله صفير، وعشراتُ بطاركةٍ خرجوا أو أخرِجوا بأمر الطاعة من محابسهم ليقودوا رعاياهم إلى ميناء الخلاص.

أننا ندعو إلى ثورة نسّاكٍ رهبانيَّةٍ ميراثُها يونان المتريتي وأتناسيسوس الصغبيني ومرقس داغر التنوري وشربل البقاعكفري ومكاريوس المشمشاني يدعمها أغناطيوس داغر التنوري حبيس خبز جيّاع مجاعة الحرب الكونية الأولى. فلا الأب الدكتور مطلوب في عصيب هذه الأيام ولا الأب البروفسور ولا الأب الفيلسوف!

وإنَّنا ننتظرُ ونترقَّبُ ونرجو ونأمل بثورة نسّاكٍ يخوض وتخوضُ نذورها شعب وأحزاب المقاومة اللبنانية ووميراثُها إبراهيم القورشيّ وبنيامين الحرديني وعنتر العاقوري وخالد المشمشاني ويوسف كرم الإهدني وأبو سمرا غانم البكاسيني، ثورةُ نسّاكٍ زيتيَّةٍ بعد أن كادت المناصبُ تغتال المقاومين، والكراسي تغتالُ المتاريس، والصالوناتُ تغتالُ الجبهات، والنمر تُصيبُ بنادق الأبطال بالعين، والبدلات الرسمية تأسرُ وتُصادرُ بدلات الحرّاس الذين لا ينعسون…

وثورة نسّاك المقاومة اللبنانية بمبتداها ولا منتهاها تُخاضُ بقيادة وإلهام وإشراف نسّاكنا ساكني محبسة ضريح سيدة الشهداء على رجاء جميع مواعيد وأعياد القيامة!!

ها نحنُ وها هي قاديشا قاديشانا المخطوطةُ الصكوك الربانيّةِ على أسامينا وأكتافنا وصلباننا تهدرُ كصنوج الساروفيم بدهورنا دهرًا تلو دَهرٍ، وتتدفَّقُ كأنوار الكاروبيم بأجيالنا جيلاً يتلوه جيلٌ تُشعلُ ذاكراتِنا وضمائرنا بذات الجمر الأفخارستيِّ الذي أشعل به أخوةُ يونان المتريتيّ مباخرهَم الطّافحةَ بمواسم حصاد سنابل النّور والبخور!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل