
تعددت صفحات النضال وبقي المضمون واحداً، القضية والمقاومة والشهادة. لكل مقاوم حكاية ومواجهة مع الموت ولكل رفيق طريقه وطريقته. هم أبطال، كانوا في وسط المواجهة، وضعوا حياتهم على كفهم وقدموها عربوناً للوفاء وإصراراً على البقاء. من قلب النار قاوموا، وبحروف من وجع ودم، وقعّوا أعظم الحكايات، ففاح بخور صمودهم على مذبح الوطن.
تُعتبر رأس الدكوانة منطقة متلاحمة مع تل الزعتر حيث كان جيش النظام السوري يسيطر على بعض المناطق، وتحديداً من الـCap Sur Ville مروراً بدير مار روكز وصولًا إلى تلة المير نزولًا إلى معمل البوتاجي وغاليري متى، وبالتالي كانوا يسيطرون على تلة عالية، بينما كانت أحزاب “الجبهة اللبنانية” تسيطر على المناطق الداخلية.
في يوم الحسم في صيف العام 1978، وصلت إلى المقاوم فادي عازار ورفاقه برقية تفيد بأن السوريين يحضّرون لهجوم بغية احتلال رأس الدكوانة ليربطوا بين قواتهم في هذه المنطقة ومنطقة جسر الباشا، لأن منطقة الثقل للسوريين كانت في سن الفيل، وإذا تمكنوا من السيطرة على رأس الدكوانة يؤمّنون الطريق إلى سن الفيل.
كان فادي قد بلغ في حينها السابعة عشرة من عمره، وسبق أن خضع لدورة تدريبية في العام 1976 في قاع الريم في زحلة، بعدها لجأ إلى بيروت وأقام في منطقة فسوح في الأشرفية قبل أن ينتقل إلى رأس الدكوانة، والجدير ذكره أنه كان يملك بندقية سلافيا.
لم يكن مطلوباً من المقاومين الانتشار بكثافة ضمن بقعة عمليات ضيّقة، بل كانوا مكلّفين بإشغال جيش الاحتلال السوري على محور Cap Sur Ville وضرب خط الإمداد الذي يربطهم برأس الدكوانة وتل الزعتر، وحضّروا لهم كمائن في حال استطاعوا فتح ثغرة حتى لا يمرّوا من غاليري متى باتجاه منطقة جسر الباشا ومنها إلى سن الفيل.
لحظات صعبة عاشها فادي عازار ورفاقه تحت ضغط الهجوم، أدت إلى استشهاد طوني قهواتي. كانوا يقاتلون على المحور نفسه، لكن طوني كان يرغب في الذهاب إلى مبنى دلال الشمالي حيث يقيم أهله، فحذّره فادي من فعل ذلك لأن القصف كان كثيفاً، لكنه أصرّ. أطلق عليه قناص سوري النار وأصابه برأسه. اقترب وليد سكر بالجيب حتى يسحب طوني، فأطلقوا بإتجاهه قذيفة ضربت في الجدار وقطعت يد وليد تادروس وأصيب وليد سكر، فيما بقي طوني قهواتي على الأرض. استغرق الأمر ما لا يقل عن 15 دقيقة قبل تنسيق النيران ونقل طوني إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة.
ركّز جنود الاحتلال السوري قصفهم على كل الممرات التي تفضي إلى رأس الدكوانة كي يمنعوا وصول الدعم الى عناصر المقاومة اللبنانية. بدأ هجوم السوريين في السادسة صباحاً على ثلاثة محاور: المحور الأول كنيسة السيدة ومبنى دلال الشمالي، والمحور الثاني البوتاجي ومدرسة الجهاد، والمحور الثالث مدرسة مار يوسف.
تمكن المقاومون من صدّ الهجوم الذي كان يستهدف مدرسة مار يوسف، علماً أن السوريين استقدموا لواء معززاً. ولا ينسى فادي عازار عندما تمكنت دبابة سورية من نوع T54 من الدخول إلى حيّ ضيّق على محورهم، أمسك بالـB7 وقصفها على بُعد 30 متراً فأصابها ببطنها. كانت تتبعها دبابة أخرى، لكنه لم ينتبه إلى رفيقه الياس الذي كان يقف خلفه، فصرخ “آخ عيني”، إذ امتد شهب النار إلى وجهه! لكن اصابته كانت طفيفة.
أما جنود النظام السوري داخل الدبابة فبدأوا يخرجون منها، تحت وابل من الرصاص. كانت هذه المعركة خليطاً من قتال الشوارع وقتال المناطق المفتوحة وقتال المتاريس. لقد اعتمدوا أسلوب “حركة ونار” على مستوى مجموعة من خمسة عناصر.
واللافت أن صمود فادي ورفاقه أمام هذا الهجوم سرّع عملية الحل لحرب المئة يوم، لينسحب بعدها جنود النظام السوري من كل مناطق بيروت الشرقية. ومن المقاومين، استشهد الرفاق موريس خوري وطوني قهواتي وبشاره مخلوف وطوني سلوم.
