.jpg)
لمَ نتكاذب؟ لو حصل استفتاء بين المسيحيين على ثلاث خيارات: الفدرالية أو العلمانية أو دستور الطائف، حَلَّ الطائف حتماً في المرتبة الأخيرة. لماذا لم أُكمل في السياق ذاته وأطرح استفتاء بين المسلمين أيضاً؟ لأننا في لبنان.
ولبنان هو لبنان لأن فيه مسيحيين. ولأن ابتداعَ الأنظمة السياسية قَدَرُ المسيحيين. منذ القرن التاسع عشر، يُبادر المسيحيون في لبنان والمنطقة إلى حلول ونُصْبَ عيونهم أنها جيدة أيضاً للمسلمين. حَكّوا رؤوسهم كثيراً لِيُنتِجوا أنواعاً من الأنظمة تدغدغ الشعور القومي للمسلمين على حساب شعورهم الديني. طرحوا علمانيات بلافتات القومية السورية، والقومية العربية، واشتراكيات متنوعة.
الهدف المسيحي المُضمر “هذا مناسب لنا ولهم”. في المقابل، ماضياً، المسلمون خطوطهم العريضة سياسياً تأتي من مسار معاكس. طرحوا دين الدولة هو الإسلام. طرحوا “إلغاء الطائفية السياسية”. طرحوا “الديمقراطية العددية”. طرحوا المثالثة. أي فَكّروا في ما يريدون لأنفسهم أولاً، وعيّنوا أدواراً محدودة للمسيحيين. بالمختصر، المساواة غير مقبولة. المقبول فكرة مُتَخَلِّفة في علم السياسة هي “التسامح”.
في هذا المناخ وجد المسيحيون اللبنانيون أنفسهم. وزادت خشيتهم في السنوات السبعين الأخيرة، إذ نشأت أنظمة تدّعي العلمانية مثلاً في مصر وسوريا والعراق تحت شعار البعث والناصرية. وفي الواقع، كان السُني في سوريا والشيعي في العراق، مواطنين من “درجة ثانية”. وحيث المسلم “درجة ثانية” فما بالك بالمسيحي! ريادة مسيحيي لبنان استشعارهم بأن المساواة لم تنضج بعد، فضغطوا نحو نظام قائم على توزيع السلطة. قبلوا بنسختي التوزيع أي “صيغة 43” و “الطائف”، وفي النسختين استعان أو استجلب بعض الداخل القوى الخارجية فانعدم التطبيق الصحيح. نصل إلى اليوم. لبنان لم يعد لبنان.
انطفأت، بسعي ممنهج من “حزب الله”، جميع محركاته الثقافية والسياسية والاقتصادية. في هذا الواقع، جاء “جديد جعجع”. وكالمعتاد، تناوب الاغتياب والغباوة على تحميل “جديد جعجع” ما لا يُحتمل. قال “يجب أن نفعل شيئاً في التركيبة”، وانبرى الغبي قبل الخصم فشطح به الخيال الخَرافي، وصَدَّقَ غباوته.
هناك من جَزَمَ أن “جديد جعجع” الفدرالية، وزايد آخر بأن المقصود “التقسيم”. عقلٌ مُصاب بأوبئة التراث القديم. يدرك سمير جعجع بدهيات السياسة. لا يمكن طرح نظام جديد للبنان في ظل انعدام السيادة. عندما دعم جعجع الطائف، قَبِلَ به، لأن الطائف زامن بين استرجاع السيادة كشرط حتمي لنجاح تعديل النظام. فشل الطائف لأن النظام السوري لم يلتزم استعادة السيادة في العام 1990. وما كان يجب أن يحصل بعد سنتين حصل بعد 15 سنة. الـ 15 سنة كانت سنوات تشويه “الطائف” ونقضه وتفريغه من محتواه. ثم ها نحن في السنة الثامنة عشرة من السيطرة الإيرانية.
وتالياً يعرف جعجع أن تعديل النظام يحتاج إلى زوال السيطرة الإيرانية على السيادة اللبنانية. ولأن هذا الاسترجاع للسيادة غير بادٍ في الأفق، فـ “جديد جعجع”، تدبير أو “ترتيب ضمن سقف وحدة الدولة” للحد من أضرار السيطرة الإيرانية بغية إعادة تشغيل محركات لبنان. سنبقى في سيارة “الطائف” وإن كانت من موديل 1990، مع تعديلات في المحرك. تعديل في معالج السرعات. تعديل في نوع العجلات التي تصمد أمام وعورة الحفر التي أحدثها “حزب الله”. “جديد جعجع” رسالة للمسيحيين وللمسلمين المناهضين لسيطرة “حزب الله” لا للحزب الميؤوس منه. وعندما تصدر أصوات إسلامية كانت 14 آذارية ترد على جعجع بمنطق العونيين وتوصيفات “حزب الله”، وتنقل جعجع والقوات اللبنانية إلى مصاف العدو والخصم، و”تستفرغ” نظريات عدائية وخشبية مغلوطة عن الماضي القريب والبعيد، فهذا يدعو المسيحيين إلى التفكير العميق مجدداً.
وسيقول المسيحيون “إن ننسى لن ننس أن القوات اللبنانية دفعت مئات الشهداء تمسكاً بالطائف. يوم كان الغير يتفرج. أيقول سمير جعجع في عز هجمة “حزب الله” أن فؤاد السنيورة يمثلني أكثر من هذا المسيحي أو ذاك، ثم تفلت أقلام النيران المفترض صديقة، وتكتب بحبر الماضي العرفاتي والناصري والأسدي ضد الممثل الأكبر للمسيحيين”؟ وسيقول المسيحيون أي حظ حظنا؟ لا منا يقتنعون ولا من الخليج يتعظون.
بين ما يدعو إليه جعجع في تغيير التركيبة، تغيير “تركيبة” الاستعلاء التي أوصلت أصحابها إلى حضيض الدور في لبنان، “تركيبة” ملوثة بأوبئة العقل المعتل والماضوي. عنوان المرحلة: “جديد جعجع” في مقابل قديم الآخرين… الأقربين.