رِئة الوطنيّة

أن يكونَ سمير جعجع اللّحظةَ النّادرةَ في تاريخِ لبنان، اليوم، فعائدٌ الى أَنْ لا مُزاحِمَ للرابطةِ الوطنيّةِ في سلوكِه. فهو رأى أنّ الوطنَ يعيشُ كوابيسَ استبدالِ شرعيّتِهِ، بِلاشَرعيّةٍ هجينةٍ لا تُشبِهُهُ، ويَشهدُ ضَرْبَ هويّتِهِ بهويّةٍ مشبوهةٍ تقضي على مبدأ الإنتماءِ للأرض، وتستبدلُ الولاءَ لها بولاءٍ ممجوجٍ لكيانٍ لا تُفتَقَدُ فيه عصورُ الإنحطاط. من هنا، جاءَ موقفُ سمير جعجع مُنَبِّهاً للخطرِ المُحدِقِ بالمصير، والذي جعلَ مَشاهِدَ الرُّعبِ تُطلُّ من عَيني الوطن، فالتعسّفُ السياسيُّ الذي يمارسُهُ المشدودونَ الى السيطرةِ بالقَهر، أَخضعَ الوطنَ لقوقعةٍ بَشِعةٍ، حوّلَته دولةً فاشلة، وأجهضَت، فيه، ما اعتادَه من معادلةِ الحقِّ، والحريّة، والمساواة. وبهذا، سادَت شرعةُ قايين، وفَرَضَت طقوسَها، من جديد، على مساحةِ النّاس، إرهاباً همجيّاً، على يَدِ فُقَهاءِ النَّحرِ، وطُفّارِ الفظائع، ونُجومِ مسارحِ الدَمّ، أولئك المَفتونينَ بشهوةِ القَمعِ، وثقافةِ السّكاكين.

لم نَنسَ، بعدُ، أحداثاً متعاقِبَةً، أكثرُها مُغَمَّسٌ بالدَمّ، وفي مقدِّمِها جريمةُ المرفأ، التي أَعادَت الى واجهةِ السّاحةِ، في لبنان، هِستيريا الإِجرامِ الآثمة، والتي أودَت بالأبرياءِ من أبناءِ الوطن. والكلُّ يَعلَمُ أنّ هذه الجريمةَ، وسواها من الجرائم، مُذيَّلةٌ بتوقيعٍ باتَ مألوفاً، وهو توقيعٌ مُتَكرِّرٌ لِسَفّاحٍ واحد، وغُولٍ عُنفيٍّ تَصفَويّ، تراكمَت ضحاياهُ بأدواتِ اغتيالٍ نَمَطيّة. والمؤسِفُ، بل ما يدعو الى الإشمئزاز، أنّ المُرتَكِبَ  يتقمّصُ دَورَ المُدّعي، والقاضي، والمُنفِّذِ للحُكم، من خلالِ عُملاءَ له في أجهزةِ السّلطة، يحرصون على  الإجهازِ على مَنْ تُسَوِّلُ له نفسُهُ المواجهةَ، أو المطالبةَ بإِحقاقِ العَدلِ لجلاءِ الحقيقة.

إنّ موقفَ سمير جعجع الوازنَ والمدافِعَ عن حقِّ الوطن، حمايةً للدستور، وصَوناً لكيانِ الدولة، لم يَأتِ من عَبَث، فهو تابَعَ ما يُحَضَّرُ في غرفةِ عمليّاتِ المُتَحَدِّرينَ من مجتمعِ الغابِ، وهم ليسوا، في حقيقتِهم، سوى نكبةِ الوطن، من مؤامراتٍ ليسَت سوى نافذةٍ للخيبةِ والإحباطِ، فلم يقفْ جليديَّ الصَّوت، وهو الذي لم يهزَّ العلاقةَ، يوماً، بينَ الإرادةِ والرّفض، بينَ الجَبينِ وطَعمِ العِزّة، وبينَ اللّسانِ وقَولَةِ ” لا “. وإذا كان القصدُ مِمّا يأتيهِ المُتَنَكِّرونَ للوطن، هو تَرويضُ مُعتَنِقي الحريّة، والمنتَصِرين الى السّيادةِ، والمَشدودين الى كرامةِ لبنانَ والإنسان، فمرحباً بالمواجهةِ انتصاراً لِقِيَمِ الولاء، حتى لا يَيبَسَ نشيدُهُ فوقَ الشِّفاه.

لقد تمادى الأدعياءُ المتواطِئون في مَنعِ الوطنِ من استعادةِ عافيتِهِ بانتخابِ رئيسٍ للجمهوريّة، وتالياً، تشكيلِ حكومةٍ تنفّذُ إصلاحاتٍ تنتشلُ البلادَ من نَكباتِها. وعملَ الأوصياءُ المتآمِرون على ترسيخِ الواقعِ في جرحِهِ البالِغِ النّزف، ولم يَكِلّوا في إِتحافِ الناسِ بتصريحاتٍ باهتة، كاذِبة، أغلبُها طلاسِم، ترمي الى خَفْتِ ردّاتِ فعلِ المقهورينَ من الناسِ الذين شُلِّعوا بالجوعِ، والفَقرِ، والإفلاس… والى كَمِّ حَناجرِهم. وما السلوكُ هذا، في التّمييعِ، والتّأجيلِ، والتَّسويفِ المقصود، إلّا للعودةِ الى ما كان منذُ ستٍّ من السّنوات، إذِ اضطُرَّ السياديّونَ الى انتخابِ رئيسٍ مَفروضٍ، مَنعاً للفراغِ، وإنعاشاً لحيثيّةِ الدّستور. ولكن، هذا الأمرُ الواقعُ لن يمرّ، لأنّ تكرارَ الفِعلِ سوفَ يُؤَصِّلُ شرعةَ الغاب، ويمدِّدُ للجلّادِ نفسِه، ولبربريّةِ القَمع، وسَيلِ النّهب، وكِفرِ الفساد، ما يوصلُ البلدَ الى أَعمقِ من جهنّم.

إنّ موقفَ سمير جعجع يُعلِنُ أنّ الأوانَ قد آنَ لتَغييرِ قواعدِ الّلعبة، والإنقلابِ على مُرافَقةِ رُفاتِ الوطنِ الى القَبر. نعم، لقد حانَ الوقتُ  لِسَحبِ الإمتيازِ من غُلاةِ المُجرمين، وتَجديدِ صلاحيّةِ المُواجهة، وصيانةِ إرادةِ الحياة، وتعميمِ ثقافةِ الأملِ لتَصْطَبغَ، بلَونِهِ الذي يفيضُ كرامةً، مُكوِّناتُ النَّسيجِ الوطنيّ. نعم، لقد أَزَفَّتِ الساعةُ ليَختلَّ الهَرَمُ التَصفَوِيُّ أو وَكرُ الشّيطان، بعدَما أُعيدَ إنتاجُهُ، مرّاتٍ ومرّات، بتَسطيحِ الرِّقابِ تحتَ شِفارِ المَقاصلِ، ونِصالِ قَزَمِيّةِ القَبول. نعم، لقد دُقَّ الإنذارُ لترميمِ آليّاتِ العَطَشِ الى تَفتيقِ أَقبيةِ القَهرِ والتَّطويع، ودَحرِ الكَفَنِ الذي ينزفُ رماداً.

وبعد، لمّا كان المُجرمُ لا يَملكُ حقَّ التصرّفِ بحياتِنا، فلا جَوازَ، أبداً، للغيبوبةِ أو للقلق، وليس من ترحيلٍ للنّضالِ، الى زمنٍ آخر. ولمّا كُنّا لا نَفتَقِدُ، بالأمس، إلى قادةٍ تاريخيّين حَقَّقوا بجرأتِهم مُنجزاتٍ غيرَ اعتياديّة، فعندَنا، اليوم، قائدٌ انتقلَت إليهِ ” تاريخيّةُ ” أولئكَ، ليكتبَ، مع أبطالٍ ما تعوَّدوا الإنحناء، قرارَ المواجهةِ، ونَهجَ التصدّي للمُتَلَطّينَ خلفَ آلةِ الغَدرِ بالوطن، وَلَو بصدورٍ عاريةٍ مِلؤُها الإيمان، فلَطالما نَقَلَ الإيمانُ الجِبال، فكيفَ لا يَنقلُ لبنانَ من جهنَّم الى جَنَّةِ الكرامة…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل