في ديالكتيك المواجهة

 

مع الانهيار الكبير الذي يشهده لبنان حالياً ومع اشتداد الأزمات التي تعصف باللبنانيين من كل حدبٍ وصوب، يقارب البعض الأوضاع والوضعيات المختلفة من باب تحقيق أهداف محددة بمعزل عن أي شيء آخر.

من المؤكد أن وضع أهداف مرحلية واستراتيجية مكوّن أساسي في تكوين أي مجموعة سياسية كانت أو (غير سياسية)، لكن ذلك غير كافٍ. إذ كيف لنا أن نحقق “الأهداف المنشودة” ما لم يعد يشكل حضورنا ونشاطنا ودورنا، الوسيلة الفعالة لتحقيق هذه الاهداف؟

وجود لبنان الجيوسياسي وتعقيدات العمل السياسي فيه، بعيداً من التبسيط الذي يستخدمه البعض بمقاربة الحلول لأزماته، هو “ملعب” هذا الصراع. هذه الازمات التي لم تبدأ بتاريخ تأسيس دولة لبنان ولن تنتهي مطلقاً بضربة قاضية من فريق على آخر كما في مباريات محددة  الاطر كالتي نشهدها في كرة القدم مثلاً (finite game)*.

فكلما  اعتبرت مجموعة ما أنها وصلت إلى لبنانها المنشود حتى تلاشى هذا الشعور وتبدد من نقيض الى آخر بسرعة قياسية، خصوصاً أن الوسائل المعتمدة لقلب المعادلات لا تقتصر على منهجية دستورية ولا فلسفة غاندية، إنما هي خليط بين الإرهاب العسكري والأمني والفكري الذي شكل عصب إحباط توق “شعب” أو عدد وازن من هذا الشعب، إلى الحرية والسيادة والاستقلال.

وعليه، لا يقتصر الخوف دائماً على بقاء الأهداف إنما على بقاء الوسائل لتحقيق هذه الأهداف. فتتحول هذه الوسائل، في هكذا صراع مفتوح، إلى هدف بحد ذاته يوازي الهدف المرجو تحقيقه ولا يتقدم عليه. خلق هذا التوازن بين الهدف والوسيلة هو أساس للبقاء. فقضية لا تجد من يناضل من أجلها تصبح في ثلاجة التاريخ. أما تلك التي يحملها البعض بشكل غير منظم، ومرتبط حملهم للقضية بسيكولوجيا تحقيق أهداف سريعة وإلا انهيار القضية و”مناضليها” (finite mind)، فينهار الاثنان معاً عند أول اختبار. وهذا ما شهدناه على مر تاريخ لبنان.

خلطة المواجهة الفعالة تكمن في قضية سامية، مجموعة مؤمنة ببذل الغالي لتحقيق هذه الغاية، ضمن اطار تواصل وعمل مشترك منظم يتمتع بسيكولوجيا ونمط إرادي كبير يمكنه من تحقيق أهداف مرحلية، معطوف على فهم عميق بأسس هذه المواجهة وانعكاسها على لعبة الوقت والمستقبل، واستحالة تحقيق هذه الأهداف ما لم “يبقَ” من يحمل القضية ويرفع رايتها.

هنا تكمن أهمية القوات اللبنانية في حمل أهدافها العابرة لمكوّنها التنظيمي الضيّق وعملها اليومي مع من تتقاطع معهم من مجموعات. فتاريخها مزيج من انتصارات وخيبات وظروف “وجودية” صعبة استطاعت بفعل عقلها الجماعي اللامتناهي (infinite mind) من تخطيها لتبقى الوسيلة الاقوى لحمل هذه الأهداف في مواجهة طويلة الامد حيث لا بديل عن  البقاء والصمود.

فالقوات لم تتنازل عن الأهداف المكونة لتأسيسها سعياً للحفاظ على “نفسها”، وما اغتيال مؤسسها واعتقال قائدها وما بينهما من استشهاد آلاف الرفاق في معارك وجودية إلا مثال على نمط تاريخي، نحن مؤتمنون كمجموعات وأفراد عليه. فالصراع بين لبناننا ولبنانهم مستمر ومرتبط باستمرار المجموعات القادرة على البقاء، وسنبقى.

سنبقى ونعمل جاهدين على الرغم من الصعوبات الكبيرة حتى نشهد خروج مشروعهم من المشهد كما خرج غيرهم، ونحن بقينا وبقي لبنان.

 

 

*البروفسور الأميركي جيمس كارس (James P. Carse) نشر في العام 1986 كتابه “الألعاب المغلقة والمفتوحة” أو (Finite &Infinite Game)

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل